تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠

ممّا يحتاج إليه في تجديد القراطيس ، لأنّ ما يلفظ من الكلام أكثر ممّا يكتب ، فجعل الخلّاق الحكيم جلّ قدسه هذا الهواء قرطاسا خفيّا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ، ثم يمحى فيعود جديدا نقيّا ، ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع . وحسبك بهذا النّسيم المسمّى هواء عبرة وما فيه من المصالح ، فإنهّ حياة هذه الأبدان ، والممسك لها من داخل بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه ، وفيه تطرد هذه الأصوات فيؤدّي البعد البعيد ، وهو الحامل لهذه الأرواح ينقلها من موضع إلى موضع . ألا ترى كيف تأتيك الرّائحة من حيث تهبّ الريح فكذلك الصوت ، وهو القابل لهذا الحرّ والبرد اللّذين يتعاقبان على العالم لصلاحه ، ومنه هذه الريح الهابّة ، فالرّيح تروّح عن الأجسام وتزجي السّحاب من موضع إلى موضع ليعمّ نفعه حتّى يستكثف فيمطر وتفضهّ حتّى يستخفّ فيتفشى ، وتلقح الشّجر ، وتسيّر السّفن ، وترخي الأطعمة ، وتبرّد الماء ، وتشبّ النار ، وتجفّف الأشياء النديّة . وبالجملة إنّما تحيي كلّما في الأرض ، فلو لا الرّيح لذوي النّبات ولمات الحيوان ، وحمت الأشياء وفسدت ( 1 ) . « وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها » وكمال مصالحها . قال الصادق عليه السّلام للمفضّل : يا مفضّل أوّل العبر والدّلالة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم ، وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه ، فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك ، وخبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسّماء مرفوعة كالسّقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم مضيئة كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ .

هامش
( 1 ) توحيد المفضل : 140 .