الطبري والمسعودي ( 1 ) ، بل المعروف من جميع قريش - منذ قرون وفي كلّ قرن - كلّ صقع مشحون من ولده عليه السّلام ، وذلك من آيات اللّه الخاصّة فيه عليه السّلام . قال محمّد بن محمّد بن النعمان في ( إرشاده ) : ومن آيات اللّه تعالى فيه عليه السّلام أنهّ لم يمن أحد في ولده وذريتّه بمثل ما مني عليه السّلام في ذريّته ، وذلك أنهّ لم يعرف خوف شمل جماعة من ولد نبيّ ، ولا إمام ، ولا ملك زمان ، ولا برّ ولا فاجر كالخوف الّذي شمل ذرّية أمير المؤمنين عليه السّلام ، ولا لحق أحدا من القتل والطرد عن الدّيار والأوطان والإخافة والإرهاب ما لحق ذرّية أمير المؤمنين عليه السّلام وولده ، ولم يجر على طائفة من الناس من ضروب النّكال ما جرى عليهم من ذلك ، فقتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال ، وبني على كثير منهم وهم أحياء البنيان ، وعذّبوا بالجوع والعطش حتّى ذهبت أنفسهم على الهلاك ، وأحوجهم ذلك إلى التمزّق في البلاد ، ومفارقة الديار والأهل والأوطان ، وكتمان نسبهم عن أكثر الناس ، وبلغ بهم الخوف إلى الاستخفاء عن أحبائهم فضلا عن الأعداء ، وبلغ هربهم من أوطانهم إلى أقصى الشرق والغرب ، والمواضع النائية عن العمارة ، وزهد في معرفتهم أكثر الناس ، ورغبوا عن تقريبهم ، والاختلاط بهم مخافة على أنفسهم وذراريهم من جبابرة الزمان ، وهذه كلّها أسباب تقتضي انقطاع نظامهم واجتثاث أصولهم وقلّة عددهم ، وهم مع ما وصفناه أكثر ذرّيّة من الأنبياء والصالحين والأولياء ، بل أكثر من ذراري كلّ أحد من الناس ، قد طبقوا بكثرتهم البلاد ، وغلبوا في الكثرة على ذراري أكثر العباد .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 395
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٩٥
هامش
( 1 ) الطبري في التاريخ 7 : 132 ، سنة ( 200 ) ، والمسعودي في المروج 3 : 440 ، ولفظ المسعودي « وأحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى » وروى قول المأمون للناس في الرضا عليه السّلام الطبري في التاريخ 7 : 139 سنة ( 201 ) ، والمسعودي في المروج 3 : 441 .