تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١

إذا قدر عفا ، وإذا وعد وفا ، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء ، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى ، وإن رفع إلى غيره حاجة لا يرضى ، وإذا جفا عاتب وما استقصى ، ولا يضيع من لاذ به والتجأ ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء . فمن اجتمعت له هذه الاعتبارات حقيقة من غير تكلّف فهو الكريم المطلق ، وليس ذلك إلّا اللّه تعالى ، والأجمع الأمنع في رسم هذا الاعتبار يعود إلى فيضان الخير عنه من غير بخل ومنع وتعويق على كلّ من يقدر أن يقبله بقدر ما يقبله ، وعواطف كرمه هي نعمه وآثاره الخيريّة التي تعود على عباده مرّة بعد أخرى ، ونعمه السابغة التي لا قصور فيها عن قبول قابلها ( 1 ) . « وأؤمن به أوّلا باديا » أي : ظاهرا . أوّلا باديا حالان من الضمير في ( به ) كقوله عليه السّلام بعد : قريبا هاديا ، وقادرا قاهرا ، وكافيا ناصرا ، والكلّ للثبوت كقوله تعالى : . . . قائِماً بِالْقِسْطِ . . . ( 2 ) بمعنى أنهّ يجب الايمان به تعالى لكونه أوّلا ومبدأ لجميع الأشياء ، ولكونه تعالى ظاهرا جليّا بآثاره ، وخلائقه عند جميع العقلاء . وأمّا قول ابن أبي الحديد : « أوّلا منصوب على الظّرفية ، كأنهّ قال : قبل كلّ شيء ( 3 ) » فبلا معنى ، فأيّ شيء يقول في قوله عليه السّلام : ( باديا ) والظاهر أنهّ جعله ظرفا لقول ( الصحاح ) : تقول : ما رأيته مذ عام أوّل ، ومذ عام أوّل ( 4 ) . فمن رفع الأوّل جعله صفة لعام كأنهّ قال : أوّل من عامنا ، ومن نصبه جعله كالظّرف كأنهّ قال : مذ عام قبل عامنا . « وأستهديه قريبا هاديا » والاستهداء من البعيد ولو كان هاديا أو القريب

هامش
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 231 .
( 2 ) آل عمران : 18 .
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 86 .
( 4 ) صحاح اللغة ، الجوهري 5 : 1838 مادة ( أول ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 391 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )