يكون الإنسان أخطره بباله ، وإلّا لكان ترجيحا من غير مرجح لجانب الوجود على جابن العدم ، فلا بدّ أن يكون المخطر له بالبال شيئا خارجا عن ذات الإنسان ، وذاك الشيء هو الشيء المسمّى بصانع العالم . ثمّ قال : ويقال : إنّ عضد الدولة وقعت في يده قصّة وهو يتصفّح القصص فأمر بصلب صاحبها ، ثمّ أتبع الخادم خادما آخر يقول له : قل للمطهّر - وكان وزيره - لا يصلبه ، ولكن أخرجه من الحبس فاقطع يده اليمنى ، ثمّ أتبعه خادما ثالثا فقال : بل تقول له يقطع أعصاب رجليه ، ثمّ أتبعه خادما آخر فقال له : ينقله إلى القلعة بسيراف في قيوده فيجعله هناك ، فاختلف دواعيه في ساعة واحدة أربع مرّات ( 1 ) . قلت : والظاهر أنّ الخبر الذي روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « ما من آدميّ إلّا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه » ( 2 ) في معنى كلامه عليه السّلام : « عرفت اللّه بفسخ العزائم وحلّ العقود » بأن يكون معناه أنهّ تعالى يتصرّف في قلوب عبيده كيف شاء بعزمها على أمر ، وعقدها له فيفسخها ويحلّها ، وبالعكس ، كتصرّف من أخذ خاتما بين إصبعيه فيه ، ويشهد له قوله تعالى : . . . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقلَبْهِِ وَأنَهَُّ إلِيَهِْ تُحْشَرُونَ ( 3 ) ، والحديث القدسي : « لا تقضوا أوقاتكم بسبّ الملوك فإنّ قلوبها بيدي أجعلها
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 384
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٨٤
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 350 .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 72 ح 199 ، وأحمد في مسنده 4 : 182 ، والحاكم في المستدرك ، والطبراني في معجمه الكبير ، والدارقطني في الصفات عنهم منتخب كنز العمال 1 : 114 ، و : 116 عن النواس بن سمعان عن النبي صلّى اللهّ عليه وآله ، وروي أيضا عن طريق أنس بن مالك وعبد اللهّ بن عمر وأمّ سلمة عن النبي صلّى اللهّ عليه وآله ، وأخرجه الصدوق في علل الشرائع 2 : 604 ح 75 عن الباقر عليه السّلام ، وشرحه الشريف الرضي في المجازات النبوية : 346 ، والشريف المرتضى في أماليه 2 : 2 المجلس ( 22 ) ، وتنزيه الأنبياء : 125 ، وابن قتيبة في تأويل المختلف : 208 ، ولفظ الكتاب للرضي .
( 3 ) الأنفال : 24 .