تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦

الكبير ، وتبقي الصغير . فقال تعالى : يا موسى أما ترضاني لهم رازقا وكفيلا قال : بلى يا ربّ ، فنعم الوكيل أنت ونعم الكفيل ( 1 ) . « وعلى ما تعافي وتبتلي » لأنّ ابتلاءه من الحكمة ، وفي الخبر : أوحى تعالى إلى موسى عليه السّلام ما خلقت خلقا أحبّ إليّ من عبدي المؤمن ، فإنّي إنّما ابتليه لما هو خير له ، وأعافيه لما هو خير له ، وأزوي عنه ما هو شرّ له لما هو خير له ، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي ، فليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، وليرض بقضائي ، أكتبه في الصّدّيقين عندي ( 2 ) . وإذا كان أمره تعالى عن حكمة وقضاه بعلم وعفوه عن حلم يجب حمده تعالى على كلّ فعل منه تعالى ، كما قال عليه السّلام ، ولكن كثيرا من العامّة قالوا : إنّ له تعالى أن يفعل كلّ ما شاء ، لا من حيث الحكمة ، بل من حيث قدرته كالسّبع القوي . قال الغزالي : إنّ السّبع يخاف لا لجناية سبقت إليه ، بل لصفته وبطشه وهيبته ، ولأنهّ يفعل ما يفعل ولا يبالي ، فإن قتلك لم يرقّ قلبه ، وإن خلّاك لم يخلّك شفقة عليك ، وإبقاء على روحك ، بل أنت أخسّ عنده من أن يلتفت إليك ، بل إهلاك ألف مثلك ، وإهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة ، وإذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته ، وما هو موصوف به من قدرته وسطوته . . . وَللِهِّ الْمَثَلُ الْأَعْلى . . . ( 3 ) ولكن من عرفه عرفه بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق من المشاهدة الظاهرة ، إنهّ صادق في قوله : « هؤلاء إلى الجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النّار ولا أبالي . . . ( 4 ) وما أجهل قوما يصفون إلههم هكذا ، تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا .

هامش
( 1 ) أخرجه الصدوق في التوحيد : 374 ح 18 .
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 2 : 61 ح 7 ، وأبو علي الطوسي في أماليه 1 : 243 .
( 3 ) النحل : 60 .
( 4 ) قاله الغزالي في إحياء العلوم 4 : 139 ، والنقل بتصرف يسير .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 376 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )