تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣

« ولم تعرف سبل منافعها » وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً . . . ( 1 ) . قال الصادق عليه السّلام : ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته ، ولبقي حيرانا تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ، وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير ، إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ، ويوما بعد يوم . واعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلى بلد ، وهو عاقل يكون كالواله الحيران ، فلا يسرع في تعلّم الكلام ، وقبول الأدب كما يسرع الّذي يسبى صغيرا غير عاقل . ثمّ لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصّبا بالخرق مسجّى في المهد ، لأنهّ لا يستغني عن هذا كلهّ لرقّة بدنه ، ورطوبته حين يولد . ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل ، فصار يخرج إلى الدنيا غبيّا غافلا عمّا فيه أهله ، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ، ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شيء وحالا بعد حال ، حتّى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمرّ عليها ، فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها إلى التصرّف والاضطراب ، إلى المعاش بعقله وحيلته ، وإلى الاعتبار والطاعة والسّهو والغفلة والمعصية ( 2 ) . « فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمّك وعرّفك عند الحاجة موضع طلبتك وإرادتك » ولولا هدايته تعالى وعرفانه لو كان عقلاء العالم مجمعين على أن يهدوه لعجزوا . هذا ، وفي ( حيوان الجاحظ ) : أنّ طاعونا جارفا جاء في البصرة على أهل

هامش
( 1 ) النحل : 78 .
( 2 ) توحيد المفضل : 51 .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 373 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )