تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢

الغذاء ، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدّم فيوافيه في وقت حاجته إليه ، فحين يولد قد تلمّظ وحرّك شفتيه طلبا للرضاع ، فهو يجد ثدي أمهّ كالإداوتين المعلّقتين لحاجته ، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن ، رقيق الأمعاء ، ليّن الأعضاء حتّى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه ، طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ليمضغ بها الطعام فيلين عليه ، ويسهل له إساغته ، فلا يزال كذلك حتّى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذّكر ، وعزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبا وشبه النساء ، وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيّا من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النّسل وبقاؤه . اعتبر يا مفضّل في ما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى مثله يمكن أن يكون بالإهمال أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدّم وهو في الرّحم ، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النّبات إذا فقد الماء ، ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ، ألم يكن سيبقى في الرّحم كالموءودة في الأرض ، ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ، ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ، ولو لم تطلع له الأسنان في وقتها ، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيمه على الرّضاع ، فلا يشتدّ بدنه ولا يصلح لعمل ، ثمّ كان يشغل أمهّ بنفسه عن تربية غيره من الأولاد ، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ، ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء ، فلا ترى له جلالة ولا وقارا ( 1 ) « ثمّ أخرجت من مقرّك » من الرّحم . « إلى دار لم تشهدها » وهي هذا العالم .

هامش
( 1 ) توحيد المفضل : 48 .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 372 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )