ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر ولا تضامّون في رؤيته » ( 1 ) - على رؤية العقل الأوّل الّذي هو أوّل مبدع ، وهو العقل الفعّال الذي منه تفيض الصّور على الموجودات ، وإياّه عنى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله : « أوّل ما خلق اللّه العقل ، فقال له : أقبل فأقبل . ثم قال له : أدبر فأدبر . فقال : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك ، وبك أعزّ وبك أذلّ وبك أعطي وبك أمنع » ( 2 ) . فهو الذي يظهر يوم القيامة ، وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه ، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر ، فأمّا واهب العقل فلا يرى البتة ولا يشبه إلّا مبدع بمبدع إلى غير ذلك من مذاهبهم البدعيّة التي نقلها ( الملل ) ( 3 ) . والرّجلان وإن نفيا عنه رؤية البصر وهو حقّ إلّا أنّهما جعلا له شريكا ، وتعالى اللّه عمّا يشركون . « قريب من الأشياء غير ملامس » قال تعالى في وصف قربه : . . . وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نفَسْهُُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلِيَهِْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 4 ) . وقال عزّ وجلّ : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ . . . ( 5 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 290
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٩٠
هامش
( 1 ) أخرجه عدّة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن رزين وصهيب وجابر بن عبد اللهّ باختلاف يسير وجمع بعض طرقه وألفاظه ابن الأثير في جامع الأصول 11 : 168 ح 8098 ، والمتقي في منتخب كنز العمال 6 : 124 ، وشرح الحديث الشريف الرضي في المجازات النبوية : 47 والشريف المرتضى في تنزيه الأنبياء : 128 .
( 2 ) أخرجه بفرق يسير داود بن المحبّر في كتاب العقل ، وعنه هامش جامع الأصول 4 : 422 ، والكراجكي في كنز الفوائد : 14 ، وكون العقل أول ما خلق اللهّ أخرجه الصدوق في الفقيه 4 : 267 ، ورواه الطبرسي في مكارم الأخلاق : 442 ، وكون العقل أوّل خلق من الروحانيين أخرجه البرقي في المحاسن : 196 ح 22 ، والكليني في الكافي 1 : 20 ح 14 ، والصدوق في الخصال 2 : 588 ح 13 عن الصادق عليه السّلام ، لكن اللفظ المشهور في حديث العقل : « لما خلق اللهّ العقل . . . » رواه عدّة عن النبيّ صلّى اللهّ عليه وآله والباقر عليه السّلام والصادق عليه السّلام وموقوفا عن الحسن البصري لا يسع ذكره المقام .
( 3 ) الملل والنحل للشهرستاني 1 : 63 .
( 4 ) ق : 16 .
( 5 ) البقرة : 186 .