تحصى ولا تعرف منافعها ، إلّا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث مثل القرمز ، فإنهّ لمّا عرف النّاس صبغه ، بأنّ كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصّنف الّذي يسمّى الحلزون فأكلته ، فاختضب خطمها بدمه ، فنظر الناس إلى حسنه فاتخّذوه صبغا ، وأشباه هذا ممّا يقف النّاس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان ( 1 ) . « في البحار الغامرات » أي : تغمر كلّ شيء دخلها وتغطيّه لكثرتها ، فالبحار ثلاثة أرباع الأرض . قال الصادق عليه السّلام للمفضّل : فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار ، وقلت : ما الإرب فيه فاعلم أنهّ مكتنف ومضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك ودوابّ البحر ، ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر وأصناف شتّى تستخرج من البحر ، وفي سواحله منابت العود اليلنجوج وضروب من الطيب والعقاقير ، ثمّ هو بعد مركب للنّاس ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة ، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق ، ومن العراق إلى الصين ، فإنّ هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلّا على الظهر لبارت وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها ، لأنّ أجر حملها يجاوز أثمانها فلا يتعرّض أحد لحملها ، وكان يجتمع في ذلك أمران : أحدهما : فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها . والآخر : انقطاع معاش من يحملها ويتعيّش بفضلها ( 2 ) . « وتلاطم الماء بالرياح العاصفات » قال تعالى : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً . فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ( 3 ) ، أي : الرياح الشديدة ، كعرف الفرس يتلو بعضه بعضا .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 282
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٨٢
هامش
( 1 ) توحيد المفضل : 123 .
( 2 ) توحيد المفضل : 146 .
( 3 ) المرسلات : 1 - 2 .