تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
هذا ، وفي ( اليتيمة ) : يحكى أنهّ كان في جملة القضاة الّذين ينادمون الوزير المهلّبي ، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتّبسّط في القصف والخلاعة ، ابن قريعة وابن معروف والقاضي التنوخي ، وما منهم إلّا أبيض اللّحية طويلها ، وكذلك كان الوزير المهلبي ، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ، ولذّ السماع ، وأخذ الطرب منهم مأخذه ، وهبوا ثوب الوقار للعقار ، وتقلّبوا في أعطاف العيش بين الخفّة والطيش ، ووضع في يد كلّ منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوءا شرابا قطر بليا أو عكبريا ، فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتّى تتشرب أكثره ، ويرشّ بها بعضهم على بعض ويرقصون أجمعهم ، وعليهم المصبغات ، ومخانق البرم والمنثور ، ويقولون كلّما يكثر شربهم : « هرهر » . وإيّاهم عنى السّري بقوله :
مجالس ترقص القضاة بها * إذا انتشوا في مخانق البرم وصاحب يخلط المجون لنا * بشيمة حلوة من الشيم تخضب بالرّاح شيبة عبثا * أنامل مثل حمرة النّعم حتّى تخال العيون شيبته * شيبة فعلان ضرّجت بدم

فإذا أصبحوا عادتهم عادتهم في التوقّر والتحفّظ بأبهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء ( 1 ) . قلت : ألم يكونوا سمعوا قوله تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 2 ) ، . . . فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ

هامش
( 1 ) يتيمة الدهر 2 : 335 .
( 2 ) النساء : 108 .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )