وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ . . . ( 1 ) . « واختلاف النّينان » جمع النّون أي : الحيتان بأنواعها - الّتي لا يعلمها إلّا خالقها - واختلافها بالذّهاب والإياب في الماء . وفي ( توحيد المفضّل ) : تأمّل خلق السّمك ومشاكلته للأمر الّذي قدّر أن يكون عليه ، فإنهّ خلق غير ذي قوائم لأنهّ لا يحتاج إلى المشي إذ كان مسكنه الماء ، وخلق غير ذي رية لأنهّ لا يستطيع أن يتنفّس وهو منغمس في اللجّة ، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملّاح بالمجاديف من جانبي السفينة ، وكسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدّروع والجواشن لتقيه من الآفات . فأعين بفضل حسّ في الشّمّ لأنّ بصره ضعيف والماء يحجبه ، فصار يشمّ الطعم من البعد البعيد ، فينتجعه فيتبعه ، وإلّا فكيف يعلم به وبموضعه واعلم أنّ من فيه إلى صماخه منافذ فهو يعبّ الماء بفيه ، ويرسله من صماخيه فيتروّح إلى ذلك كما يتروّح غيره من الحيوان إلى تنسّم هذا النّسيم . فكّر الآن في كثرة نسله ، وما خصّ به من ذلك ، فإنّك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة ، والعلّة في ذلك أن يتّسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان فإنّ أكثرها يأكل السمك ، حتى إنّ السباع في حافات الآجام عاكفة عى الماء كي ترصد السمك ، فإذا مرّ بها خطفته ، فلمّا كانت السباع تأكل السمك ، والطير يأكل السمك ، والناس يأكلون السمك ، والسمك يأكل السّمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة . فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودوابّ الماء والأصداف والأصناف التي لا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 281
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٨١
هامش
( 1 ) النساء : 81 .