نظرا إلى المعنى كقوله تعالى : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ . . . ( 1 ) ، مع أنّ الثاني أيضا يعبّر عنه بلفظ الاثنين كقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما . . . ( 2 ) . « وسجدت له بالغدوّ » على فعول جمع الغدو على فعل ، كما قاله الليث وجمعه الآخر الغدوات ، وأمّا الغدايا في قولهم : « إنّي لآتيه بالغدايا والعشايا » فلا يأتي جمعا إلّا ازدواجا مع العشايا . « والآصال » جمع الأصيل : الوقت بعد العصر إلى المغرب . وفي القرآن كلّما ذكر الأصيل ذكر مع بكرة ، وكلّما ذكر الآصال ذكر مع الغدوّ ، كما أنهّ كلّما ذكر الأوّلان نكّرا فقال : بُكْرَةً وَأَصِيلًا وكلّما ذكر الأخيران عرّفا فقال : بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ . الأوّل في أربع آيات في الفرقان والأحزاب والفتح والدّهر ( 3 ) ، والثاني في ثلاث في الأعراف والرّعد والنور ( 4 ) . « الأشجار النّاضرة » أي : ذات الحسن والرّونق ، والأشجار الناضرة وإن تسجد له تعالى في كلّ حال حسب غيرها من الأشياء كما قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ . . . ( 5 ) إلّا أنهّ عليه السّلام قيّد سجودها بالغدوّ والآصال ، لأنّ المراد بالسجود لها هنا سجود خاص بظهور طراوتها وصفاتها وانتشار شميمها فيهما ، دون السجود العام المراد به الدخول تحت خضوع التّكوّن ، كما أراد عزّ وجلّ فيها .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 256
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٥٦
هامش
( 1 ) الحج : 19 .
( 2 ) الأنبياء : 30 .
( 3 ) الفرقان : 5 ، الأحزاب : 42 ، الفتح : 9 ، الدهر : 25 .
( 4 ) الأعراف : 205 ، الرعد : 15 ، النور : 36 .
( 5 ) الحج : 18 .