الينا ابن أبي العوجاء ، قال : ويلك يا ابن المقفّع ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا ، ويتروّح إذا شاء باطنا ، فهو هذا . فقال له : وكيف ذلك قال : جلست إليه ، فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني ، فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء ، - يعني أهل الطواف - وهو على ما يقولون فقد سلموا وعطبتم ، وإن يكن الأمر على ما تقولون ، وليس كما تقولون ، فقد استويتم وهم . فقلت له : يرحمك اللّه ، وأيّ شيء نقول ، وأي شيء يقولون ما قولي وقولهم إلّا واحد . فقال : وكيف يكون قولك وقولهم واحدا وهم يقولون : إنّ لهم معادا ، وثوابا وعقابا ، ويدينون بأنّ في السماء إلها وأنّها عمران ، وأنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد قال : فاغتنمتها منه ، فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه ، ويدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ولم احتجب عنهم ، وأرسل إليهم الرسل ، ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الايمان به فقال لي : ويلك ، وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك : نشوءك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوّتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوّتك ، وسقمك بعد صحّتك ، وصحتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، وفرحك بعد حزنك ، وحبّك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبّك ، وعزمك بعد أناتك ، وأناتك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، ورهبتك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن في وهمك ، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك . وما زال يعدّد عليّ قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتّى ظننت : أنهّ سيظهر في ما بيني وبينه ( 1 ) . ومن الشواهد على ما ذكره عليه السّلام من إقرار قلب ذي الجحود : أنّ كلّ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 171
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٧١
هامش
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 1 : 74 ح 2 ، والصدوق في التوحيد : 125 ح 4 .