جعل كلّ نطفة مبدأ لدابّة وطير وسابح ، وكلّ بذر منشأ لنبات وشجر . « عالما بها قبل ابتدائها » فإنهّ لو لم يكن عالما بها قبل ابتدائها لما قدر على ابتدائها ، وحيث إنّ علمه من صفات ذاته ، فعلمه بها قبلها كعلمه بها بعدها ، وأمّا البشر فقد يعمل عملا فيجد أثرا فيه بدون علمه بترتبه . « محيطا بحدودها ، وانتهائها » جعل لكلّ شيء حدّا وانتهاء لا يتجاوزه ، فلنشو الانسان والحيوان والشجر والنبات حدّ تنتهي إليهإِنّا كُلَّ شَيْءٍ خلَقَنْاهُ بِقَدَرٍ ( 1 ) . « عارفا بقرائنها » أي : ما يوافقها فيقرنها . « وأحنائها » في الصحاح : الحنو بالكسر : واحد أحناه ، السّرج والقتب ، وحنو كلّ شيء أيضا اعوجاجه ، ومنه حنو الجبل ( 2 ) . هذا ، وقال المجلسي في شرح قوله عليه السّلام : « عارفا بقرائنها وأحنائها » إنهّ يدلّ على جواز اطلاق العارف عليه تعالى ، ومنعه بعضهم ( 3 ) . قلت : إنّما يفهم منه جواز إطلاق عارف مقيّد لا مطلق .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 166
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٦٦
من الخطبة ( 49 ) ومن خطبة له عليه السّلام : الْحَمْدُ للِهَِّ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ - وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ - وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ - فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يرَهَُ تنُكْرِهُُ - وَلَا قَلْبُ مَنْ أثَبْتَهَُ يبُصْرِهُُ - سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ - وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلَا شَيْءَ
هامش
( 1 ) القمر : 49 .
( 2 ) صحاح اللغة للجوهري 6 : 2321 مادة ( حنو ) .
( 3 ) بحار الأنوار 57 : 181 .