يبلغ مدح شخص إذا أحاط علما بكمالاته ، فالجاهل لا يقدر أن يصف علم العالم ، ولا يمكن الإحاطة بكمالاته تعالى لغيره عزّ وجلّ ، فينحصر مدحه تعالى كما ينبغي بذاته المقدّسة ، ولذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ( 1 ) . وكيف يبلغ مدحته القائلون وقد قال عزّ اسمه : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مداد ) ( 2 ) . « ولا يحصي نعماءه العادّون » إنّما يمكن الإحصاء في ماله حصر ، ولا حصر لنعمائه تعالى ، وفي الخبر : أنّ أبيّ بن كعب قرأ عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قوله تعالى : . . . وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نعِمَهَُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً . . . ( 3 ) ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقوم عنده - وفيهم أبو بكر وعبيدة وعمر وعثمان وعبد الرّحمن - قولوا الآن ما أوّل نعمة غرسكم اللّه بها وأبلاكم بها فخاضوا من المعاش والرّياش والذرّية والأزواج ، فلمّا أمسكوا ، قال لأمير المؤمنين عليه السّلام : يا أبا الحسن قل . فقال عليه السّلام : إنّ اللّه خلقني ولم أكن شيئا مذكورا ، وأن أحسن بي فجعلني حيّا لا مواتا ، وأن أنشأني ، فله الحمد في أحسن صورة وأعدل تركيب ، وأن جعلني متفكّرا واعيا لا أبله ساهيا ، وأن جعل لي شواعر أدرك بها ما ابتغيت ، وجعل فيّ سراجا منيرا ، وأن هداني لدينه ولن يضلّني عن سبيله ، وأن جعل لي مردّا في حياة لا انقطاع لها ، وأن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا ، وأن سخّر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه ، وأن جعلنا ذكرانا قوّاما على حلائلنا لا إناثا . وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول في كلّ كلمة : صدقت . ثم قال : فما بعد هذا فقال علي عليه السّلام :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 148
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٤٨
هامش
( 1 ) أخرجه صاحب مصباح الشريعة فيه : 56 ، والدارقطني في الافراد عنه منتخب كنز العمال 1 : 348 عن النبي صلّى اللهّ عليه وآله ، ونقله ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 19 ، وابن ميثم في شرحه 1 : 111 .
( 2 ) الكهف : 109 .
( 3 ) لقمان : 20 .