إنصرفت القوى البدنية إلى جانب الدماغ ، وينبعث من كثرة الحركات الدماغية حرارة شديدة تحرق الأخلاط الرطبية ، وتفني الكيموسات الصالحة ، فيستولى اليُبس والجفاف على الاعضاء ، ويستحيل الدم إلى السوداء ، وربما يتولد منه الماليخوليا . و كذا الّذين زعموا أنّه جنون إلهى ، فإنّما هو من أجل أنّهم لم يجدوا دواءاً يعالجون به ، ولا شربة يسقونها فيبرؤون ممّا هم فيه من المحنة والبلوى ، إلّاالدعاء للَّهوالصلاة والصدقة والرقى من الرهبانيين والكهنة ، وهكذا كان دأب الحكماء والأطبّاء اليونانيين فكانوا إذا أعياهم مداواة مريض ، أو معالجة عليل ، أو يئسوا منه ؛ حملوه الى هيكل عبادتهم ، وأمروا بالصلاة والصدقة ، وقربوا قرباناً ، وسألوا أهل دعائهم وأحبارهم ورهبانهم أن يدعوا اللَّه بالشفاء ، فإذا برىء المريض سمّوا ذلك طبّاً إلهياً ، والمرض جنوناً إلهيّاً . ومنهم من قال : إنّ العشق هواء غالب في النفس ، نحو طبع مشاكل في الجسد ، أو نحو صورة مماثلة في الجسد « 1 » . ومنهم من قال : منشؤه موافقة الطالع عند الولادة ، فكلّ شخصين اتفقا في طالع ودرجة ، أو كان صاحب الطالعين كوكباً واحداً ، أو يكون البُرجان متّفقين في بعض الأحوال والأنظار كالمثلّثات ، أو ما شاكل ذلك ممّا عرفه المنجمون وقع بينهما التعاشق . ومنهم من قال : إنّ العشق هو إفراط الشوق إلى الإتحاد ، وهذا القول وان كان حسناً ، إلّاأنّه كلام مجمل يحتاج إلى التفصيل ، بأنّ هذا الإتّحاد من أىّ ضروب الإتّحاد ، فإنّ الإتّحاد قد يكون بين الجسمين ، وذلك بالإمتزاج والإختلاط ، وليس ذلك يتصوّر في حق النفوس . ثم لو فرض وقوع الإتصال بين بدني العاشق والمعشوق في حالة الغفلة والذهول
هامش
( 1 ) في المصدر : الجنس