ورقدة الطبيعة ، واخراجها عن بحر الشهوات الحيوانية . وأمّا عند استكمال النفس بالعلوم الإلهية وصيرورتها عقلًا بالفعل ، محيطاً بالعلوم الكلية ، ذا ملكة الإتصال بعالم القدس ، فلا ينبغي لها عند ذلك الإشتغال بعشق هذه الصور المجسمة اللحمية « 1 » ، والشمائل اللطيفة البشريّة ، لأنّ مقامها صار أرفع من هذا المقام ، ولهذا قيل : المجاز قنطرة الحقيقة ، وإذا وقع العبور من القنطرة إلى عالم الحقيقة ، فالرجوع إلى ما وقع العبور منه تارة اخرى يكون قبيحاً معدوداً من الرذائل . ولا يبعد ان يكون اختلاف الأوائل في مدح العشق وذمّه من هذا السبب الذي ذكرنا ، أو من جهة أنّه يشتبه العشق العفيف النفساني الذي منشؤه لطافة النفس واستحسانها ، لتناسب الأعضاء ، واعتدال المزاج ، وحسن الأشكال ، وجودة التركيب بالشهوة البهيمية التي منشؤها إفراق القوة الشهوانية . وأمّا الذين ذهبوا إلى أنّ هذا العشق من فعل البطّالين الفارغين بالهمم فلأنّهم لا خُبرة لهم بالامور الخفيّة والأسرار اللطيفة ، ولا يعرفون من الامور إلّاما تجلّي للحواس فظهر للمشاعر الظاهرة ، و لم يعلموا أنّ اللَّه تعالى لا يخلق شيئاً في جبلّة النفوس إلّالحكمة جليلة وغاية عظيمة . وأمّا الّذين قالوا : إنّه مرض نفساني أو قالوا : إنّه جنون إلهىّ ، فإنّما قالوا ذلك لأجل أنّهم رأوا ما يعرض العشّاق من سهر الليل ، ونُحول البدن ، وذبول الجسد ، وتواتر النبض ، وغور العيون والأنفاس الصعداء ، مثل ما يعرض المجنون ، فظنّوا أنّ مبدأه فساد المزاج ، واستيلاء المُرّة السوداء ، وليس كذلك ، بل الأمر بالعكس ، فإنّ تلك الحالات ابتدأت من النفس أوّلًا ، ثم أثّرت في البدن . فإنّ من كان دائم الفكر والتأمّل في أمر باطني ، كثير الإهتمام والإستغراق فيه ،
هامش
( 1 ) ورد في المصدر : ( المحسنة اللخمية ) بدل « المجسمة اللحمية »