ويشكل بأنّه ليس من الموادّة ولا من الموالاة ، نعم هو من البرّ والإحسان إليه ، وهو ليس بمنهيّ عنه ، بل قوله تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
« 1 » دليل على جواز برّه إذا لم يكن مقاتلا ولو كان حربيّا . وليس من الموالاة المنهي عنها أيضا ؛ ضرورة أنّ البرّ والإحسان إلى حيوان من كلب ونحوه ، أو إنسان مع شدّة العداوة وكمال البغضاء لا يكون بموالاة ولا موادّة . كيف لا يكون كذلك ؟ وقد صحّ الوقف على الذّمّي على ما نسب إلى الأكثر « 2 » ، مع عموم النهي له بلا مخصّص ، مع إبائه عن التخصيص .
وربما يقال بعدم صحّة الوقف على الحربي ، لجواز تملّك المسلم ماله بمجرّد الاستيلاء عليه ، وهو مناف للدّوام والتأبيد المعتبر في الوقف « 3 » .
وفيه أولا : منع جواز تملّك الوقف به ؛ لما فيه من حقّ لبعض الطبقات الموقوف عليهم ولو كان مسلما ، ومن حقّ الواقف المسلم مطلقا ، فإنّه لم يخرج عن ملكه إلّا على أن يكون صدقة جارية عنه على الدّوام ، وإنما يكون مال الحربي فيئا إذا كان ملكا طلقا له ، لم يكن فيه لمسلم حقّ أو شبه حقّ .
وثانيا : لو سلّم ، فجواز تملّك المسلم له شرعا لا ينافي قصد الواقف دوامه قبالا لتوقيته ، أو له ولتحديده كما في الوقف على من ينقرض عادة على خلاف يأتي « 4 » ، كما لا ينافيه جواز بيعه في صورة خرابه أو الخلف بين أربابه ، أو غيرهما ممّا يجوز معه البيع ممّا يكون وقوع أحدها ، بل كلّ منها يتّفق عادة . فافهم .
وممّا ذكرنا ظهر حال الوقف على الذّمي ، وأنه لا مانع عن صحّته مما توهّم
هامش
( 1 ) سورة الممتحنة / 8 .
( 2 ) لاحظ مفتاح الكرامة 9 / 63 ، وجواهر الكلام 28 / 31 .
( 3 ) انظر مسالك الأفهام 5 / 332 .
( 4 ) في ص / 57 .