في الجريان والسيلان هو الشك في أنّه هل بقي في منبع الماء أو في رحم المرأة فعلا شيء من الماء والدم غير الذي سال وجرى منهما أم إن الذي في المنبع أو الرحم قد انتهى مقداره وكميته ، أي أنّ سبب الشك في بقاء الجريان أو السيلان إنّما هو بسبب الشك في انقضاء الماء أو الدم المقدر ، فإن انقضى ماء المنبع فلا جريان وإلّا فما زال باقيا .
فحين الشك في بقاء الكمية والمقدار ربّما يشكل في استصحاب بقاء الجريان والسيلان ، وذلك لأنّ الشك ليس في بقاء جريان نفس الماء الذي كان جاريا ، بل إنّما يشك في حدوث جريان جزء آخر ، وهذا الجزء الآخر أم لا ، فصار الشك في جريانه من جهة الشك في حدوث ذلك الجزء الآخر أم لا شكا في الحدوث وليس شكا في البقاء حتى يجري استصحاب بقاء نفس الجريان السابق .
ولكن الإشكال ينحل ؛ لأنّه لا يختل بهذا الإشكال ما هو الملاك في الاستصحاب بحسب تعريف الاستصحاب وأدلته حسبما عرفت ، وقد عرفت بأنّ ملاك الاستصحاب هو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بحسب النظر العرفي ، وفيما نحن فيه يوجد اتصال في هذا الامر التدريجي بالنظر العرفي ؛ لأنّ العرف عندما يشك في بقاء جريان الماء فهو يشك في بقاء جريان نفس ذلك الماء ، لا انه يشك في حدوث جزء آخر وإن كان الشك عقلا كذلك كما مر في الإشكال ، ولكن المرجع في تحديد وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة هو العرف لا العقل فالاستصحاب جار إذا في هذه الأمور التدريجية .
ثم إنّه لا يخفى أنّ استصحاب بقاء الأمر التدريجي إمّا أن يكون من قبيل استصحاب الشخص أو من قبيل استصحاب الكلي بأقسامه - كما كان استصحاب الشخص والكلي باقسامه يجري في الأمور القارة كالطهارة والحدث وغيرهما كما تقدم تفصيله - :
تيسير الوصول إلى مطالب كفاية الأصول — صفحة 199
مساهمون: السيد علي الحلو
ص١٩٩