الضرر غير المتدارك - كما في المورد الثاني - والنفي المقيد في الموردين حقيقي ، وهذا النفي الحقيقي على نحو التقييد وإن لم يكن ببعيد إلّا أنه يحتاج إلى قرينة تدل على ارادته ، لأنّه لا يمكن القول بالتقييد في أي مورد إلّا مع وجود قرينة تدل عليه ، وأمّا مع عدم وجود قرينة تدل عليه فالقول به غير سديد .
وأمّا إرادة النهي - كلا تفعل - من النفي - في ( لا ضرار ) - وإن كان ليس بعزيز بل له نظرير في الأستعمالات العربية كقوله تعالى :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
« 1 » وقوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 2 » ونحوهما ، ولكن لم يعهد استعمال لا النافية وإرادة النهي في مثل هذا التركيب ، وذلك لأنّ المعهود أن تكون ( لا ) الناهية داخلة على الأفعال كما في الآيات المتقدمة وأمّا ( لا ) النافية فتدخل على الأسماء كما في ( لا ضرر ) .
وأمّا عدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة في ( لا ضرر ) - لأنّ الضرر امر تكويني حاصل حقيقة في الخارج فكيف يمكن نفيه نفيا حقيقيا - لا يكاد ان يكون قرينة على إرادة واحدة من تلك المعاني المجازية أو إرادة الحقيقة على نحو التقييد - حتى مع عدم القرينة على أحدها - بعد إمكان حمل النفي على الحقيقة ادعاء خصوصا مع كون البلاغة تقتضي ذلك ، بل كان استعمال النفي في الحقيقة ادعاء هو الغالب في موارد استعمال النفي .
ثم إنّ الحكم الذي أريد نفيه ب ( لا ضرر ) هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها الأولية ، أو هو الحكم المتوهم ثبوته للأفعال بعناوينها الأولية حتى في حال الضرر ، وليس الحكم الذي أريد نفيه ب ( لا ضرر ) هو الحكم الثابت للضرر - والحكم الثابت للضرر هو نفي التكليف - بعنوان الضرر ، كالصوم الواجب فإن الوجوب لفعل
هامش
( 1 ) البقرة : 197 .
( 2 ) الواقعة : 79 .