في شتّى العلوم واهتمّوا بالعناية بها بهذه المثابة ؟ ! نعم هذا هو المحقّق الفيض الّذي إذا عدّ عشرة من الأدباء فهو أحدهم ، وإذا عدّ عشرة من مشايخ رواية الحديث فهو أحدهم ، وإذا عدّ عشرة من الفقهاء فهو أحَدهم ، وإذا عدّ عشرة من الحكماء فهو أحَدهم وإذا عدّ عشرة من العرفاء فهو أحَدهم وإذا عدّ عشرة من المتصوّفة الشّعراء فهو أحدهم ومتى عدّ ثلاثة من الجامعين للعلوم العقليّة والنّقليّة فهو أحدهم . فهذا هو الرّجل الفحل والعلم الفرد الّذي يغلب كلّ ذي فنّ واحد كما يغلب كلّ ذي فنون .
هذا ولا يخفى أنّ الفقهاء لا يزالون يحذّرون النّاس عن التّدبّر في المسائل الفلسفيّة وهذا حقّ وإن كانت الحكمة في نفسها صدقاً فإِنّ العوام ومبتدؤوا الطّلبة بل متوسّطوهم أَيضاً قاصرون عن إدراكها على وجهها فيقعون في حيرة وضلال وفي شبهات لايتمكّنون من التخلّص عنها وينحرفون عن الصّراط المستقيم فيضلّون ويضلّون لذلك لمّا سألوا الفقيه المرحوم الميرزا أبو القاسم القميّ ( المتوفّى سنه 1231 ) صاحب القوانين عن تأويلات الفيض في أمور الأخرة أجابهم بأنّ هذه التّأويلات باعثة لضلال القاصرين .
أقول : منع النّاس عن تعلّم الفلسفة ليس أمراً حديثاً ، فإنّ الحكماء الأقدمين كهرمس واسقلينوس وانبازقلس وفيثاغورس وتلميذه سقراط وتلميذه أفلاطون وغيرهم من الصّدر الأوّل كانوا يرمزون في كلامهم فينتفع الخواصّ بباطنها والعوام بظاهرها ، ولو خوطبوا بصريح الحقّ لما أَمكنهم فهمه فيجدونه وربّما يكون ذلك سبب هلاكهم لئلّا يطّلع عليها من ليس لها أهلًا فيصير الحكمة عدّة له على اكتساب الشّرور والفجور ويفضى ذلك إلى فساد العالم وقد أَكّد ابنسينا في وصيّته في آخر صفحة من الإِشارات بصيانة الحكمة عن غير أهله فقال : « صُنه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقّادة » الخ . والمولى صدر الدّين أصرّ على ذلك في
اقوال العلماء في ترجمة المولى محسن فيض الكاشاني — صفحة 209
مساهمون: السيد ابو القاسم النقيبي
ص٢٠٩