أفضل الأذكار أسرّها ، ترك الذكر يشبه الكبريا واعلانه يوجب الرّيا ، وإخفاؤه سنّة زكريّا .
فإذا دعوت اللّه فعمّ ولا تجهر ، فانّك لا تنادي الصمّ ، إنه لا يسمع بالغضروف ولا يحتاج منك إلى الأصوات والحروف ، يا رافع اليد بالدعاء ! ويا داعي الحق بالنداء ! انه لا يسمع بالصماخ ، فاقصر من الصّراخ ، أتنادي باعدا أم توفظ راقدا ؟ تعالى اللّه لا تأخذه السنة ولا تغلطه الألسنة .
فما هذه الشهقة والنداء ، وما هذه الصحيحة الشنعاء ؟ ! أمن الضّرب تتألم ؟ أو من الرّب تتظلّم ؟ أو مع اكفائك تتكلّم ؟ أتحسبه قسّاما نسي قسمك ؟ أم رزّاقا جهل اسمك ؟ أنام من خلق الأنام ؟ !
معاشر الضعفة ! تظنّون أن لا تأكلوا أقوانكم دون أن ترفعوا أصواتكم
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً
« 1 »
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً
« 2 » ، انّ لسان الحال أفصح ، ورواق الرّحمة أبسط وأفسح ، فسبّح تسبيح الحيتان في النهر واذكر ربّك تضرّعا وخيفة ودون الجهر » « 3 » . « 4 » انتهى كلامه .
وفيه ما لا يخفى ولكنه محمول على الحثّ في الاسرار ، وينبغي أن يستثنى من ذلك ما يكون في الجهر والاعلان فيه مصلحة دينية وحكمة شرعية ، كالجمعة والجماعات ، فانّ في رفع الأصوات فيها تهييجا بليغا للنفس ؛ وتقوية شديدة لعزمها على المجاهدة .
هامش
( 1 ) اقتباس من الآية 14 من سورة الفرقان : 25 .
( 2 ) الآية 12 من سورة الفتح : 48 .
( 3 ) اقتباس من الآية 55 و 205 من سورة الأعراف : 7 .
( 4 ) « بحر المعارف » ج 1 ، ص 28 .