فلا بدلهم من منبّه ينبّههم ومذكّر يذكرهم ، وما ذاك الا التلفظ بالأذكار في كل وقت وحال فانّ اللّسان منبّه القلب .
ولقد أحسن بعض الحكماء حيث شبّه بنية الانسان بمدينة جامعة ، فاعضاؤه وجوارحه بمنزلة سكّان المدينة وقطّان البلد ، والعبد في إقباله على الذكر كمؤذّن صعد منارة على باب المدينة ، يقصد إسماع المدينة بالاذان .
فهكذا الذاكر المتحقق يقصد بالذكر اتّعاظ قلبه وجميع أجزائه وأبعاضه ، فيذكر بلسانه ويعي بقلبه ، ومتفرقات جوارحه ، فيكون مناداة الذكر باللسان وصداه في قبة القالب يستحضر بالذكر سكّان مدينة النفس ، ويستجمع به عساكر الفهم والحس ، يقول ببعضه ويستمع بكله ، إلى أن ينتقل الكلمة من اللّسان إلى القلب ، فيتنوّر بها ، ويعطّر بجدوى الأحوال ، ثم ينعكس نور القلب على القالب ، فيزيّن بمحاسن الاعمال ، فيكون الأحوال حينئذ حلية باطنه ، والأعمال ملبس ظاهره ، وقد تبيّن بهذا فائدة التّنطق بالذكر .
واما تصحيح الالفاظ المخصوصة وضبطها : فلأنّها أحسن ما يعبّر به عن تلك المفهومات المناسبة لذلك الامر وأبلغه ، حيث صدرت من معدن الوحي ومهبط العلم والحكمة ، وللتأسي بهم عليهم السّلام في استعمالها بخصوصها .
على أنه لو أبدل شيء من تلك الالفاظ بما يؤدي ذلك المعنى بعينه لم يخل بالمطلوب ، وإن كان فيه ترك فضل واهمال فضيلة ، لما قلناه .
ويجوز الاكتفاء في بعض الأذكار بمعظمه وما هو الأصل فيه ، ولا ينبغي التكلف بها على النفس بحيث يفضى إلى الملال .
فعن أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّ للقلوب إقبالا وإدبارا ، فإذا أقبلت
خلاصة الأذكار واطمئنان القلوب — صفحة 360
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٠