ومعيار المعرفة ، فإنّ العقل هو الوعاء الذي يتلقّى عنهما ، ولا يشقى بالشكّ ، فإنّ اليقين الإجمالي حاصل لا محالة ، ذلك الوصف الربّاني للحقيقة بالصدق المطلق المؤيّد بالدليل الأزلي والبرهان التامّ .
لذلك يمكننا القول : إنّ مرجعيات المعرفة في التصوّر الإسلامي يكمّل بعضها ، لا تنافر فيها ولا قطيعة بين أجزائها ، فهناك تكامل بين الوجود والوحي ، وبين النظر والملاحظة الدقيقة التجريبية ، وبين معرفة الشهود ومعرفة الغيب ، كلّ ذلك نابع من تجلّيات مبدأ التوحيد وأثره في إدراك وحدة الحقيقة .
في حين أنّ التجربة الحضارية الأوربية تفصل - بل تتعارض في مرجعياتها - المعرفة الدينوية مع معرفة الغيب ، والمعرفة العقلية مع الحسّية .
لقد استخدم بيكون ديكارت كلمة منهج
) method (
بمعناها الأوّلى ، أي ( قواعد للسلوك تفضي بلا هوادة إلى المزيد من المعرفة ) ، وبذلك يكمن ثمّة تناقض بين نقد بيكون للفلسفة العقلية ، وبين اعتقاده بقوّة المنهج « 1 » .
واستخلاصاً من الأُصول المروية في الكافي يتّضح أنّ لمرجعيات المعرفة في التصوّر الإسلامي خصيصتين :
الأولى : إنّها مركّبة ووظيفية من جهة ، وإنّ لها تراتيبة قهرية من جهة أُخرى ، فكونها مركّبة فمن الوحي ( التأمّل والنظر والعقل ) ، ومركّبة كذلك من عدم استبعاد الإلهام والحدس والكشف ، وعدم التقليل من قيمة الملاحظة والتجربة في اكتشاف المجهول .
ومع فصل مصدر المعرفة عن حجّيتها ، فالحدس والإلهام والكشف من مصادر المعرفة ، وقد عرف الصوفية مسلك الحدس في اكتشاف الحقائق ، فهم يرون أنّ
هامش
( 1 ) . انظر : فهم العلم المعاصر وتأويله لرولان أومينس ، ترجمة أحمد فؤاد باشا ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد : 350 ص 527 .