وبعد غضّ النظر عن هذه الخوارق والإرهاصات ندعو هذا الخصم المكابر إلى معجزة كبرى ، وآية عُظمى ، لا تحتاج إلى إثبات ، ولا تفتقر إلى شُهود وبَيِّنات ، آملين منه أن ينظر فيها ، ويتدبر معانيها .
معجزة القرآن الكريم
الا وهي القرآن المجيد ، الذي أذعنت له أهل الفصاحة والبلاغة ، وتقاعست دونه أو لوا البراعة والخطابة ، حتى اعترفوا بالقصور ، وأقروا بالعجز عن معارضة أقصر سورة ، وأدركوا أن القوى البشرية لا تكاد تبلغ إلى نيل مراتبه في الفصاحة والبلاغة ، وحسن النظم والصياغة .
جهات اعجاز القرآن الكريم
وليس إعجازه من حيث الفصاحة فقط ليكون معجزا عند أهل اللسان والعربية - وإن كان كافيا في إثبات إعجازه - بل هو معجز من حيث أسلوبه البديع الذي لا نظير له في الأساليب المعهودة عند العرب .
معجز بما جمع من فنون الآداب والحكم والسياسات والمواعظ والأمثال والترغيب والترهيب وغير ذلك من فنون العلم .
معجز بما اشتمل عليه من الأخبار بأحوال الأمم الغابرة في أمورها وشؤونها ، والإخبار بمغيبات مستقبلة ، جاءت طبق ما أخبر ووِفْق ما أنبأ .
معجز بما أقامه من الدلائل على التوحيد والحشر والنشر وغير ذلك من أُصول الدين ومعارفه .
معجز بما امتاز به من الكلام البليغ بأسره منظومه ومنثوره ، وهو أنه لا يملُّ بالتكرار ، ولا يزول حسنه بالإعادة ، بل يحلو في الأسماع كلما مر ، ويعود جديدا كلما استعيد .
وقد اشتمل على غير ذلك من الأدعَية المُجَرّبة ، والأذكار ، والأوراد ، وآيات الشّفاء ، والتعويذات ، والأحراز ، وأمثال ذلك ، بطرق من الكلام مُتنوّعة وأساليب مخترعة ، بلا مثال يحُتذى ولا إمام يُقتدَى .