لكن لما كانت أفعاله منزّهة عن اللغو جارية على مقتضى الحكمة والعقل ، فلابد أن يكون ما يتفضل به من العفو والغفران لسبب من الأسباب من شفاعة أو توبة أو استغفار أو إظهار رحمة وتكرم وغير ذلك .
فهو عادل وغافر معاً ، ورحيم وشديد العقاب .
واعتبر ذلك بالنظر إلى أحوال الملوك والسلاطين فان تفضلهم وتسامحهم في الحقوق العائدة إلى أنفسهم لا ينافي عدالتهم ولا يضرّ بها .
وإذا بان لك أن الغفران بلا كفارة ولا سفك دم لا ينافي العدل فلا يكون العدل مانعاً منه ، فإذا اقتضته الرحمة الإلهية والرأفة الخالقية مع ثبوت عموم القدرة لجميع الممكنات وجد وحصل لا محالة بدون كفارة ولا سفك دم بار بريء .
إنهم بفرارهم من الغفران بلا كفارة إلى الفداء كمن فرّ من المطر إلى الميزاب
ولقد أوقعهم توهمهم التنافي بين العدل والمغفرة بلا كفارة فيما هو أدهى وأمرّ : من مؤاخذة أولاد آدم الأبرياء بذنب أبيهم ، ومن مجازاة المسيح بذنب غيره وجعل دم ذلك البريء كفارة عن ذنوبهم .
وهذا من الجور والظلم بمكان مكين ، وببعضه يُنتفى عنه العدل وحاشاه سبحانه وتعالى .
وقد كان الأليق بنا الإعراض عن تتبع باقي كلمات صاحب الرسالة بعد نقض أصلها وهدم اسها ، ولكن سِرْنا معه حيث سار حرصاً على إقالته من الزلل والعِثار .
نسأل الله الهداية إلى الحق بمنّه وكرمه .
( في أن الموت - من حيث إنه جزاء الأشرار بزعمهم - لم يستوجبه المسيح بذاته بل بصفته حامل خطايا العالم )
قال : ( وبما إن المسيح بالنظر لذاته غير مستوجب الموت لأنه قدوس خال من الخطيئة ، والموت أجرة الخطيئة ولكنه بصفتة حامل خطايا العالم وجب عليه الموت كفارة عن الخطايا ) .