وقد بيَّنا فيما سلف ان الكتب المنسوبة إلى الأنبياء ( عليهم السلام ) فيها إشارات وبشارات بنبوة محمد ( ص ) ، ومن مجموعها يحصل النص الصريح على نبوته ( ص ) ، فتتم بذلك الحجة ، ولا يحتاج إلى إظهار المعجزة إلا تفضلًا وامتناناً .
التنبيه الثالث : في أمور لا دليل على اعتبارها في المعجزة
الثالث : في ذكر أمور لا دليل على اعتبارها :
منها : كون المعجزة من نحو خاص من الأفعال والأقوال .
ولا دليل عليه ؛ لأن الغرض قيام الحجة فيكفي فيه كل ما كان وافياً بالمطلوب .
ومنها : كونها مما يشاهده كل مدعوٍّ إلى التصديق بذلك الرسول .
وهو غير لازم ، بل اللازم حصول العلم بها بأيّ واسطة كانت ، فان أكثر معجزات المسيح مما يشاهده البعض ، وتحصل العلم بها للبعض الآخر من أمر آخر .
ومنها : كونها علة تامة للإيمان .
وهو باطل أيضاً وإلا يلزم الإجبار ، وبطل الثواب والعقاب .
بل لابد من كونها مقتضية للتصديق والإيمان بحيث تقوم بها الحجة من جانب المدعي ، ولا يوجد أدنى مانع من قبله .
نعم قد يمنع عن تأثيرها ما يوجد في جانب المدعوّين من التعصب ، والتقليد ، وحب الأثرة ، والشهرة ، وأمثال ذلك ، قال جلّ جلاله في أمثال هؤلاء في سورة الأعراف :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
« 1 »
.
ولا يهولنَّك أيها المهتدي كثرة الأمم الضالة ، والملل الكافرة ، فان الأمة الصالحة في الأمم كالفرد الصالح في الملة المحقة ، فليس الحق بكثرة الرجال والأعوان ، ولا بسعة المملكة والسلطان ، بل عليك أن تعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ
« 2 »
.
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 146 .
( 2 ) سورة آل عمران : 196 197 .