قيام الدعاة في تلك الأديان
لاشك أن الدين إنما يقوم بالدعاة والمبلغين يتوسع ويرقى تحت حمايتهم وجهودهم ، ويضعف ويزوي في أثر خزيهم وكسالتهم فلا دين بعد تشريعه مرهون همم حملته وحفاظه والدعوة إلى الدين على فنون :
دعوة بالحجاج ، ودعوة بالعمل والثبات وتحسين السيرة ، ودعوة بالسيف .
أما شريعة التوراة فلم نعرف عهدها بالتبليغ والدعاية إلى أي من الأمم سوى شعب بني إسرائيل ، ولا يبين التاريخ قيام أي دعاية عامة فيها شرع فيها الجهاد على قانون التحريم ، وهو سلب الحياة عن كل متنفس من العدو حتى البهائم ، ولم يبعث موسى ولا أوصيائه مبلغاً دينياً بين أي من الأمم ، نعم يذكر العهد القديم في كتاب الملوك الأول واخبار الأيام : ان سليمان كان ينطق بالحكمة ويحضر عنده الملوك والحكماء من سائر البلاد لاستماع حكمته ، ولم يتبين من هذه الحكاية أن المحاضرات التي يلقها سليمان كانت دعاية دينية ، بل الرجوع إلى كتاب أمثال سليمان ونشيد الأناشيد يثبت أم محاضراته كانت عدة أمثال وحكم ومواعظ أخلاقية لها إلمام بالتوحيد والحث على بعض محاسن الأمور والزجر عن مساوئهم مما تناوله أية من الأمم وليس لها صورة خاصة في شريعة بني إسرائيل .
أما شريعة القرآن والإنجيل فقد أكثرت من بث الدعاة وبالغت في التبليغ وسن زعيمهما محمد وعيسى سنة الدعاية كما سنا س ا ئر الفرائض والاحكما فلم يسلم في مكة رجل إلا ويدعوا إلى الدين الاسلامي كما يصلي ويصوم ، كما يظهر ذلك من ملاحظة سيرة الصحابة الأولين وكيفية اسلامهم ففي سيرة ابن هشام : انه لما اسلم أبو بكر دعا إلى الاسلام جماعة ونجحت دعوته في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن زبير وعثمان ، وقد حث الله على الدعاية في سورة فصلت :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
« 1 »
،
ولما قام كبار قريش في وجه النبي ( ص ) يؤذون المسلمين ويفتنونهم في دينهم خرج إلى طائف يدعو بني ثقيف إلى الاسلام مستجيراً بهم
هامش
( 1 ) فصلت : 33 .