وجوابه : أنّه لا ريب في أنّ ترتيب الفساد من موانع إرادة الفعل فإذا كان إرساله تعالى الآيات مما يترتب عليه التكذيب ، فأىّ مانع من أنْ يقال هذة المفسدة مانعة من إرادة الله تعالى للإرسال ، فالمانع مانع من إرادته لا من فعله بعد الإرادة حتى يرد المحذور .
الثاني : أنّ الإرسال يتعدّى بنفسه كما قال الله تعالى
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
« 1 » فأي حاجة إلى الباء .
وجوابه : أنّ الباء لتعدية الإرسال إلى المرسَل به لا إلى المرسَل ، لأنّ المرسَل محذوف ، وهو الرسول ، وتقديره : وما منعنا أنْ نرسل الرسول بالآيات ، والإرسال يتعدّى بنفسه إلى المرسَل وبالباء إلى المرسَل به وب ( إلى ) إلى المرسَل إليه كما قال لله تعالى
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ
« 2 » .
الثالث : أنّ المراد بالآيات هنا ما اقترحه كُفّار مكة على رسول الله ( ص ) من جعل الصفا ذهباً ، وإزالة جبال مكة ليتمكّنوا من الزراعة ، وإنزال كتاب مكتوب من السماء ونحو ذلك ، وهذه الآيات ما أُرسلت للأولين ، وما شاهدوها ، فكيف كذَّبوها .
وجوابه : أنّ الضمير في قوله تعالى راجع إلى نفس الآيات المقترحة ، لا إلى هذه الآيات المقترحة ، وكأنه قال : وما منعنا أنْ نرسل بالآيات التي اقترحها أهل مكة إلا تكذيب من قبلهم بما نزلت إليهم من الآيات المقترحة كالمائدة والناقة ونحوهما مما اقترحه الأولون .
الرابع : أنّ تكذيب الأولين لا يمنع إرسالها على الآخرين لجواز أنْ لا يكذّبها الآخرون .
وجوابه : أنّ سنّة الله تعالى في عباده أنّ من اقترح على الأنبياء آية ، وأوتوا بها فلم يؤمنوا بها عجَّل الله هلاكهم ، والله تعالى لم يُرِدْ إهلاك أهل مكة لأنّه عَلِمَ أنّ أولادهم يؤمنون ، فلو أرسل بالآيات التي اقترحوها فلم يؤمنوا لأهلكهم نظراً إلى سنّة الجاهلية مع أنّ حكمته اقتضت عدم إهلاكهم فلذلك لم يرسل بها ، فمعنى الآية : وما منعنا أنْ نُرسِل بالآيات
هامش
( 1 ) سورة نوح : 1 .
( 2 ) سورة هود : 96 .