حديثه ، فيكون ترجيحاً للمحدِّث على المحدَّث في الصدق لا ترجيحاً لأحد الصدقين على الآخر في كونه صدقاً ، ولا شكَّ أنّه لا أحدَ أصدق في حديثه من الله لأنّ غيره يجوز عليه غير الصدق عقلًا ، ويقع أيضاً من أكثر الناس ، ولو نادراً والله تعالى منزه عن ذلك .
في بيان قولهِ تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
قول تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 1 » إن قيل ما السبب في الإتيان بصيغة المبالغة ، فإنّ ظلّاماً صيغة مبالغة في الظلم ولا يلزم من نفي الظلّام نفي الظالم ، بل العكس ، فهلّا قال ليس بظالم ليكون أبلغ في نفي الظلم عن ذاته تعالى .
قلنا : السبب في ذلك أنّ صيغة المبالغة إنما جيءَ بها لكثرة العبيد لا لكثرة الظلم في نفسه ، فإنَّ الظالم على الجمع الكثير يكون كثير الظلم نظراً إلى كثرة المظلومين ، فيصحُّ الإتيان بصيغة المبالغة الدالّة على كثرة أفراد الظلم ، نظراً إلى كثرة أفراد المظلوم ، فمن كانت عبيده كثيرة ، فإنْ كان يظلم الكل فالأنسب به اسم الظلّام دون الظالم ، فإذا لم يكن ظالماً لشيء منهم ، فاللازم نفي الظلّام عنه إذ لو فرض صدور الظلم منه لكان ظلّاماً ، لا ظالماً ، ولذا إذا أفرد المفعول لا يُؤتى بصيغة المبالغة ، ومع كونه جميعا يُؤتى بها كقوله تعالى :
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
« 2 »
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
« 3 » وقولهم : زيد الظالم لعبده ، وزيد ظلّام لعبيده .
والحاصل : أنّ صيغة المبالغة هنا لكثرة المفعول ، لا لتكرار الفعل ، ومن هذا القبيل قوله تعالى
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ
« 4 » فان التشديد إنما هو لكثرة الفاعلين لا لتكرار الفعل .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 73 .
( 2 ) سورة المائدة : 109 .
( 3 ) سورة الفتح : 27 .
( 4 ) سورة الفتح : 27 .