وقيل : السبب في ذلك أنّ العذاب من عظيم القدر ، كثير العدل أقبح ، وأفحش وأشدُّ من ظلم من ليس عظيم القدر ، كثير العدل فيطلق عليه اسم الظلّام باعتبار زيادة قبح الفعل منه ، لا باعتبار تكرّره .
والحاصل : أنَّ اسم المبالغة هنا لزيادة صفة الفعل ، لا أصل الفعل ، بمعنى أنَّ الظلم لو صدر منه تعالى لكان ظلم واحد منه أعظم من ألف ظلم صدر من عبيده باعتبار زيادة قبحه فلو صدر منه ظلم ، وجب إطلاق اسم الظلّام عليه فمع عدم صدوره يجب نفيه أيضاً عنه ، ومن هذا القبيل ما قيل أنَّ المراد بالإنسان في قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 1 » هو آدم ( ع ) وإنّما وصفه بصيغة المبالغة الدالّة على تكرّر الظلم ، والجهل منه ، مع كونه معصوماً نظراً إلى أنّه لما كان رفيع المحلّ عظيم الشأن كان ظلمه وجهله أقبح وأفحش فقام عظم الوصف مقام الكثرة .
( في بيان قوله تعالى :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا
)
قال الله تعالى في سورة الإسراء
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
« 2 » وفيه أسئلة :
الأول : أنّه تعالى كيف يمنعه تكذيب الأمم الماضية من إرسال الآيات مع أنّه لا يمنعه مما يريد مانع فإنْ أريد إرسالها فلا يمنعه تكذيبهم ، وإنْ لم يردْهُ كان وجود تكذيبهم وعدمه سواء ، وكان عدم الإرسال لعدم الإرادة لا للتكذيب .
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 72 .
( 2 ) سورة الإسراء : 59 .