وعن الثالث : أنَّ حق الرحمة والرحمة الحقيقية لهم إنما يكون في الآخرة ، ولذا أدخل السين إشعاراً بأنهم إذا ماتوا تشملهم الرحمة الكاملة الإلهية .
وعن الرابع : أنّ العدول في أمثال المقام مما يقتضيه الظاهر ، وسوق الكلام أعنى الوصف بالرحمة والغفران إلى مثل العزّة ، والغلبة ، والحكمة ، للتنبيه على أنهم مع استحقاقهم الرحمة ، يَصِل إليهم الرحمة من الله تعالى قطعاً ، ولا يمنعه مانع لأنّه عزيز غالب على كل شيء لا يقاومه شيء ، ولا يصدّه شيء عما يريده ، وعلى أنّ أفعاله لا تخلو عن حكمة ومصلحة ، فلا يعذّب إلا العاصي ، ولا يرحم إلا المطيع ، فلا يظنَّ ظانٌّ أنّ عبادة المؤمن تبقى بغير أجر ، إذ ذلك مخالف للحكمة والمصلحة .
( في بيان قوله تعالى
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
)
قال الله سبحانه في سورة النساء
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
« 1 » .
وفيه سؤال : وهو أنّ صيغة أفعل تدلُّ على أنّ كل واحد من قول الله ، وقول غيره صدق ، ولكنّ قول الله أصدق مع أنّه لا تفاوت بين الصدقين في كون كل منهما صدْقاً كما في القول ، والعلم ، فلا يقال هذا القول أقول وهذا العلم أعلم فكذلك لا يقال هذا الصدق أصدق ، فإنَّ الصدق عبارة عن الإخبار المطابق للواقع ، ومتى تثبت المطابقة لم يحتمل الزيادة والنقصان .
وجوابه : أنَّ أصدق هنا صفة للقائل لا للقول بناء على أنّ التمييز أعني حديثا إنما هو تمييز عن الفاعل .
ولا ريب في أنَّ القائلين يتفاوتان في الواقع ونفس الأمر ، وإن تساويا في قضية واحدة اخبرا بها ، وكان كل منهما صادقاً فيها .
والحاصل : أنَّ هذا استفهام إنكاري معناه النفي كما في قوله تعالى
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
« 2 » أي لا أحدَ يغفرها إلّا هو فالمراد أنّه لا أحد أصدق من الله في
هامش
( 1 ) سورة النساء : 87 .
( 2 ) سورة آل عمران : 135 .