وثالثها : ما الباعث لإدخال السين في قوله ( سيرحمهم الله ) مع أنَّ المتصف بالصفات المذكورة مرحوم قطعاً بلا مهلة وتراخ .
ورابعها : أنّ الأوفق في الآية الثانية نظراً إلى ما سبق ان الله غفور رحيم كما وقع في نظائرها .
والجواب عن الأول : أنه تعالى خصّ المنافقين بالعبارة المذكورة تكذيباً لهم في حلفهم السابق في قوله تعالى ،
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ
« 1 » وتقريراً لقوله سبحانه :
فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
« 2 » .
وخصَّ المؤمنين بولاية بعضهم لبعض نظراً إلى أنَّ الإيمان أمر واحد ليس له طرق مختلفة ، وشجون متباينة بخلاف النفاق ، فإنه ذو شجون مختلفة ، وطرق مكثرة ، فكل منافق له نوع من النفاق مبائن لنوع النفاق الذي عليه المنافق الآخر ، فكل واحد من المنافقين في وادٍ غير الأودية التي فيها الآخرون ، بخلاف الإيمان فإنّه وادٍ واحد يجتمع فيه المؤمنون جميعاً .
والسرُّ أنَّ الحقّ كالصراط المستقيم وهو أمر واحد ليس فيه اختلاف ، بخلاف الباطل ، فإنَّ له طرقاً غير متناهية ، وظاهر أنَّ المجتمعين على أمر واحد والطالبين له يكونون متحدين محبين بعضهم لبعض ، وأمّا المختلِفون في الطريق ، وإنْ كانت طرقهم كلها باطلة لا يكونون مجتمعين على أمر واحد ، ولا طالبين له بل كُلٌّ منهم طالب شيء مغاير لما يطلبه الآخر ، ومع التغاير في المطلوب ، واختلافهم في المحبوب لا يلزم محبّة بعضهم لبعض .
وعن الثاني : أنّه من قبيل قول الله سبحانه :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
« 3 »
وَمَكَرَ اللَّهُ
« 4 »
وَأَكِيدُ كَيْداً
« 5 »
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 56 .
( 2 ) سورة التوبة : 69 .
( 3 ) سورة البقرة : 15 .
( 4 ) سورة الأعراف : 99 .
( 5 ) سورة الطارق : 16 .