وفيه : أنّه مع اعتقادهم عدم حقيقة نبوّتهم يكون قتلهم إيّاهم أقلّ قبحاً وشناعة مما إذا كان القتل مع اعتقادهم بأنهم أنبياء بحقٍّ ، فكيف يلزم زيادة التوبيخ إذا كان القتل مع اعتقادهم بأنهم أنبياء بغير حقٍّ ، نعم مع التقدير المذكور ، أعني تقدير مثل ( في اعتقادهم ) أو ( عندهم ) يمكن أنْ يجعل الجارّ متعلِّقاً بالقتل كما هو الظاهر ، والظرف المقدر ، أعني عندهم أو في اعتقادهم متعلِّقاً بغير الحقّ حتى يكون المراد ، قتلهم الأنبياء بغير الحق باعتقادهم يعني أنهم اعتقدوا بأنّ قتلهم ليس بحق ، ومع ذلك قتلوهم ، ولا ريب في أنّ الشناعة حينئذٍ أكثر ، فيكون المقصود زيادة التوبيخ والتعيير .
ثم في الآية سؤال آخر أيضاً ، وهو أنّه كان حقّ الكلام أنْ يقول : وكتبنا بدل سنكتب إذ ما يصدر عن العباد يكتب دفعه أو بعد ساعات إذا كان الصادر معصية كما في بعض الأخبار لأجل أنّ العبد لعلّه يتوب ، فلا يكتب ، ولا ريب في أنّ ما صدر عنهم كان قبل نزول الآية بأزمنة متطاولة ، فكان أيضاً مكتوبا البتة عنده ، فاللازم أنْ يقول فكتبنا .
والجواب عنه بوجهين :
أحدهما : أنّه عَبّرَ عن الكتابة الماضوية بصيغة المستقبل المؤكّد بالسين الدالّ على الاستمرار كما أشار إليه في الكشّاف بقوله : والمعنى لن يفوتنا أبدا إثباته وتدوينه كما لن يفوتنا القول مرة بعد مرة .
وثانيهما : أنّ الكتابة هنا بمعنى الجمع كما في الصحاح ( الكتب الجمع ) ، ومنه كتبت البغلة إذا جمعت بين مشفريها بحلقة أو سير ، والمعنى وستجمع في القيامة في العذاب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير الحق ، ونجعلهما في مرتبة واحدة في العذاب ، ونجازي عليهما جزاءين متماثلين لمشاركة الأول للثاني في الفساد نظراً إلى أنّ كلًا منهما لإبطال ما أرسله الله للهداية والتبليغ لأنّ ما قالوا إنّما كان لإبطال القرآن .
الموسوعة العلمية التفسير وعلوم القرآن — صفحة 35
مساهمون: الشيخ محمد عزت الكرباسي
ص٣٥