من صغر إلى كبر ، وبالعكس ، ولا من سعة إلى ضيق وبالعكس ، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات ، والسبب في صحّته أنَّ الصغر والكبر ، جائزان على ذلك المصنوع الواحد ، وكذلك الضيق والسَّعة ، وإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكِّن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، وجعل صرفه عنه كنقله منه ، وعلى هذا لما كان الشئ في حال العدم بحيث يجوز أنْ يُوجده الله وأنْ يبقيه على عدمه ، وقد أبقاه على عدمه ، فكأنّه نقلَهُ من أحد الحالين ، أعني الوجود إلى الحال الآخر ، أعني العدم ، وعلى هذا يكون حال العدم كالإماتة بعد الإحياء ، وقِسْ عليه الإحياء بعد العدم الذاتي .
( في بيان قوله تعالى
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ
)
قال الله تعالى : في سورة آل عمران
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
« 1 » .
أقول فيه سؤالان :
أحدهما : أنّ الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء كانوا في عصر النبي ( ص ) وقد قالوا ذلك لّما سمعوا قوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ
« 2 » وهم لم يقتلوا نبيّاً قطّ ، فكيف عطف على ما قالوا ، و
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ
، وأسند قتلهم إليهم .
وثانيهما : أنّ قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحقِّ ، فما وجه تقييد قتلهم بذلك ؟ وكذا قوله تعالى
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 181 .
( 2 ) سورة البقرة : 245 .
( 3 ) سورة البقرة : 61 .