بل لا يزال ينقدح هذا الاحتمال في ذهن كل من لا يتعسف في المقال ، وينتصف للحق في كل حال إذا أمعن النظر ، في ما ورد في التواريخ والسير من بدوّ نزول الآيات منجّماً من البعثة إلى الرحلة ، وجمعها بعد الارتحال في المصاحف إلى الجمع الأخير في عصر عثمان كما عليه اليوم ، وتَفَطَّنَ لكيفية جمع المصاحف ، وصدوره عن من لم يبلغ رتبة العصمة الإلهية والطهارة عن الرجس والدنية ، ولم تنتف عنه مقتضيات الطبيعة البشرية من وقوع الخطأ والغلط والزلة والعصيان ، والسهو والنسيان عنه في أموره ، حتى في النقل والرواية والاجتهاد والدراية .
وكون الجامع بعد إسلامه محكوماً بالعدالة في طول عمره لا يقتضى أزيد من عدم الاقتحام في الكبائر ، وترك الاصرار على الصغائر عن علم وعمد ، وأما مع الجهل بالحكم ، أو الموضوع ، أو بهما ، عمداً ، أو خطأً ، أو النسيان كذلك للحكم ، أو الموضوع ، أولهما فهو في تلك الأحوال معذور في الاقتحام في أكبر الكبائر إلا في بعض ما استثنى .
وامّا لو لم تثبت العدالة رأساً ، أو زالت عنه فاحتمال العمد يزيد على المحتملات .
وبعد التفطن لبواعث هذه الاحتمالات فإنْ لم ينقدح في قلبه شئ منها وبقي قاطعاً بعدم تنقيص شئ مما نزل قرآناً لا علماً ولا جهلًا ، لا عمداً ولا سهواً ، لا غفلة ولا غلطاً ، فنراهُ مختلطاً أو مغالطاً .
نعم القطع بعدم النقص بالنسبة إلى مصحف أمير المؤمنين ( ع ) في محلّه ؛ لأنه المعصوم من كل زلة من الولادة إلى الشهادة ، والمطّهر من [ 48 ] كل دنّيةٍ باتفاق جميع الأمّة ، كاتب جميع ما أوحي إلى النبي ( ص ) ، وباب علمه من كافة تلك الآيات بكلماتها وحروفها ، وجميع ما يتعلق بكل آية منها من أنواع علوم القرآن ، وأدّى إليه كلّ ما استفاده ( ص ) من علم الله تعالى .
وعرّفه كيفية جمع آيات القرآن وسوره ، والترتيب المرعيّ بين الآيات وبين السور ، والحدود التي جعلها الله لهما بدواً وختماً ، وتقديماً وتأخيراً على ما أراده الله تعالى ، واختاره
الموسوعة العلمية التفسير وعلوم القرآن — صفحة 308
مساهمون: الشيخ محمد عزت الكرباسي
ص٣٠٨