فهو وإنْ كان ملهماً بالحق ، لكن لا نعدّ هذا الرأي من ملهماته ، ولا نلقّيها بالقبول من مهاباته ، بل نقدره لصراحة كلامه في أنّ الموجود بين الدفتين خارج عن حريم النزاع بجميع الجهات ، وإنمّا البحث في موضوع آخر غيره الذي عبّر عنه بالباقي ، واختار أنه نزلت بقية لا توجد في هذا الموجود ، ونشكره لما نرى من إصابته الحق فيما استكشفه من كتب التواريخ والسيرمن نزول شيء آخر ماجُعل في هذا الموجود ، ولا نعرفه بعينه ، وهو محفوظ مستودع عند أهله .
ولا نرى هذه الإصابة راجعة إلى جهاته الشخصية التي لايدانيها فيها أحد من وفور علمه ومهارته في الكلام ، وتبحره في التواريخ والسير وغيرها ، بل نرى أنّ كل من بذل وسعه وجدّ في الطلب حقه بالتتبع في الكتب ، والتفحص في أطرافها يرى الحق عياناً ويكشف له الأمر وجداناً ، حيث إنّ الفاحص كذلك يجد من الروايات والأحاديث ما يتجاوز عددها عن حدّ التواتر ، وقد جمع أكثرها شيخنا العلامة النوري في فصل الخطاب .
وتلك الأخبار وإنْ كانت فاقدة للحجة ، ومضطربة من جهات ، وكلّ واحدٍ منها مخالف مع غيره في خصوصيات ، ولا يتجاوز بالنسبة إلى خصوصياته عن حد أخبار الآحاد ، ولاتثبت واحدة من تلك الخصوصيات ، ولا يترتب عليها أثر أبداً [ 38 ] لكن يرى كل واحد منها مشاركاً مع غيره في الدلالة مطابقة أو التزاماً على وقوع تنقيص شئ مما نزل قراناً ، فهذا المضمون المشترك فيه الذي يدل عليه كل واحد من تلك الأخبار الغير المعتبرة البالغة حدّ التواتر « 1 » يكون متواتراً معنوياً ، فيثبت به قرآنيةالشئ المنقوص المجهول عينه لنا ، كما تثبت قرآنية ما بين الدفتين بتواتره .
هامش
( 1 ) هذا غريب جداً فإنه عبّر عن الروايات بأنها ( ( فاقدة للحجة ) ) فإذا كان كل رواية بحد ذاتها فاقدة للحجة وانضمت إليها روايات آخر فاقدة للحجة أيضاً فكيف يكون الناتج عنها وهو مضمونها حجة ثم كيف يصير متواتراً . فإن المتواتر هو ما كان فيه روايات كثيرة كل واحدة منها معتبرة شرعاً بأن تكون صحاح أو حسان أو موثقات وهكذا أما أن تكون الروايات ضعيفة السند أو مُعرضٌ عنها تجتمع مع بعضها فلا تورث الاطمئنان البتة فليت شعري كيف يصير مضمونها متواتراً خصوصاً مع إمكان حمل بعضها على محمل حسن كالتفسير مثلًا مع أن المسألة في غاية الخطورة فهي تمس جوهرة الاسلام الخالدة .