فاحتمالُ الخطأ المجوّز في حق الجامع ملازمٌ لاحتمال وقوع التنقيص في جمعه ، فضلًا عن احتمال مطلق الخطأ ، ومع احتمال التنقيص لا يبقى مجال لدعوى اليقين بعدمه ، إلا أنْ يدفع احتمال وقوع التنقيص بحجة قاطعةٍ كما ادّعي من قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » بتقريب :
إنّ ما وعد الله تعالى بحفظه ، وهو حافظه ، كيف يسع للبشر تنقيصه خطأ أو عمداً ، لكن فيه : إنّ البشر لا يقدر على مايضاد حفظه وهو إعدامه وسلبُ وجوده ، والتنقيص الممكن وقوعه من البشر ليس إلاتركهم كتابته في المصحف وقراءته ، وهو يجتمع مع كونه محفوظاً بحفظه تعالى وموجوداً عند أهله .
وقد فسر الآية بذلك تلويحاً سيدنا الإمام المجتبى ( ع ) في احتجاجه على معاوية بقوله : « ثم قالوا قد ضاع منه قرآن كثير ، كذبوا والله ، بل هو مجموع محفوظ عند أهله » « 2 » .
وأوهن من ذلك دفع احتمال التنقيص بالاستبعاد بأنّه كيف يسترق آيات الله وينتقص منه على رؤس الأشهاد من المهاجرين والأنصار والحفاظ والقراء من أطراف البلاد ؛ إذ مرّ سابقاً أنّ الاستبعاد ليس طريقاً إلى إثبات الوقوع وعدمه ، وبمجرد استبعاد [ 34 ] الوقوع لا يقطع بالعدم مع أنّه لا استبعاد فيه أصلًا نقضاً وحّلًا ، كما قررفي محله تفاصيلها .
إذ إنكار آية لا يطلع عليها إلاجمع من المسلمين ، مع بعد العهد عن نزولها بعدّة سنين ليس بأعظم من رفضهم نصّ يوم الغدير ، الذي سمعه سبعون ألفاً من المسلمين ، المتفرقين إلى جميع الأقطار بعد مضي سبعين يوماً .
ويؤيد احتمال التنقيص بما ثبت في التواريخ من سيرتهم في الإثبات والنفي عند جمع القرآن ، ومابنواعليه في تأليفهم له من مراعاة الإتقان ، كما مرّت حكايته عن الباقلاني : من
هامش
( 1 ) سورة الحجر : الآية 9 .
( 2 ) الاحتجاج - 7 .