فانحصر محل الخلاف بينهم في وقوع تنقيص شيء مما أنزل قرآناً وهو من غير آيات الأحكام إجمالًا ، أي : التنقيص [ 29 ] بما لا نعلم شخصُ المنقوص بعينه في الخارج ، أو عدم التنقيص رأساً ؛ لتحقق الاتفاق كما عرفت على عدم الزيادة ، وعلى عدم تنقيص الأحكام .
وعدمُ التنقيص الشخصي المعيّن وقوع تنقيص ما كذلك بعد الجزم بإمكانه وعدم أثرٍ عمليّ له ولاإعتقاديّ كما ظهر ليس إلا قضية تاريخية ، والكشف عن القضايا المستورة التأرخية ، وإثبات الحقائق الواقعية فيها بماله من الطرق والحجج مما يليق في سبيله بذل المهج ، حيث إنّه أعظم وسيلة لطالب الدين واليقين إلى نيله بسعادة الدنيا والدين ؛ لأنه يستيقن بوجود الصانع العالم والقادر الحكيم ، وتوحيده من الوقوف على ما جرت في القرون الخالية من قضائه وقدره على عبيده ويستجلب المنافع ، ويتحذر عن المضار بالاطلاع على ما تحاربه أهل الدنيا مدى الأعصار ، فيصير كأنّه عَمَّرَ بأعمارهم ، وسافر إلى ديارهم فعاشر أخيارهم وأشرارهم ، وعاشرصغارهم وكبارهم ، وميّز التقيّ والشقي والسعيد والعنيد ، فيتخلق بما فيه خلود ذكرهم الجميل ، ويتكلف في تخلية نفسه وتهذيبها عن كل قبيح ورذيل إلى غير ذلك مما يطيل ، فلا بأس بإجمال القول فيه وإلغاء التفصيل والخوض فيه بغير تطويل .
المسألة التأريخية لا يحكم فيها إلا كتب السير والتواريخ المعتبرة المعتمدة المسلّمة ، ولا تخلو تلك الكتب غالباً من متخالفات في بعض خصوصيات واقعة واحدة ، بل بعضها مناقض لبعض في بعض الخصوصيات ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، بل يقطع بكذب أحدهما إجمالًا .
نعم قد يظفر المتدرب في تلك الكتب والمتفعل في أطرافها بقضيةتأريخية ، وكلما تتبع في مظان ذكرها من سائر الكتب لا يرى ذكراً لها أو لمّا ينافيها ويناقضها ، فيحصل الاطمئنان بوقوعها ، وقد يظفر الفاحص المتأمل في تلك الكتب على اختلافها في بعض الخصوصيات
الموسوعة العلمية التفسير وعلوم القرآن — صفحة 291
مساهمون: الشيخ محمد عزت الكرباسي
ص٢٩١