نعم في كثير منها وقع التعبير بالتحريف ، لكن ليس المراد منه متفاهمه العرفي ، أي : التغيير والتبديلَ وإنْ ذكره أهل اللغة معنىً له أيضاً ، بل المراد منه [ 26 ] معناه اللغوي المأخوذ في أصله أي : التنقيصَ ؛ لأنّ أصل معنى « الحرف » كمّا صرّح به اللغويون « 1 » : الطرف والجانب ، والتحريف تفعيل منه ، ومعناه : الأخذ بطرف شئ وجانب منه وابقاء غيره في مقابل أخذ الشئ بجميع أطرافه ، والأخذ بطرفٍ دون آخر هو عين التنقيص .
وجملة من موارد استعمال هذه المادة لا تخلو من نقص أو انتقاص أو تنقيص ، ففي الصحاح : « رجل محارف أي : منقوص الحظ لاينمو له مال » وفيه : « رجل محارف بالفتح : أي محدود محروم ، وهو خلاف قولك : مبارك » ، وفي القاموس « 2 » : « حرف في ماله حرفة ذهب منه شيء » ، وفيه : « الحرف : الناقة المهزولة ، وأحرف الرجل ناقته : هزلها » .
فيظهر منها أنّ في مادة « حرف » مأخوذ نوع من النقص ، كما في مادة « جنن » مأخوذ نوع من الستر كالجنّ والجنون والجنين والجُنّة المجنّة والمجنون والجَنّة والجنان » .
وبالجملة المراد من التحريف : التنقيص لا غيره ، كما صرح به جمع من الاعلام ، وورد التصريح والتفسير به في بعض الأخبار :
منها رواية الفقيه قال الرضا ( ع ) « 3 » : « لعن الله المُحرَّفين ، وذكر أنّهم حرّفوا حديث : « إنّ الله ينزل ملكاً كل ليلة جمعة » ورووه : « إنّ الله ينزل كل ليلة جمعة » تفسير التحريف بتنقيص كلمة « الملك » وإسقاطها وإلقائها .
ومنها : رواية طبّ الأئمة « 4 » دعاء الصادق على المحرّفين الذين حرّفوا حديث النبي ( ص ) في أهل بيتٍ يأكلون لحوم الناس أي : يغتابوهم ، ورووه في أهل بيت يديمون أكل اللحم بتنقيص كلمة « الناس » وإسقاطها .
هامش
( 1 ) الصحاح : 3 / 1108 ، مادة ( حرف ) ، والمفردات 119 ( حرف ) .
( 2 ) تاج العروس : 12 / 135 .
( 3 ) من لا يحضره الفقيه : 1 / 123 ، فضيلة يوم الجمعة واستحباب الإكثار من الدعاء . . . رقم 1240 .
( 4 ) طب الأئمة : 1 / 123 .