وأمّا جمع التدوين مباشرة فما صدر عنه بالاتفاق ، وكذا جمع القرآن في الحفظ ما حصل له ولا لعمر .
قال العلامة السيوطي في الإتقان « 1 » ، « أخرج ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمّد بن سيرين قال : مات أبو بكر ولم يجمع القرآن ، وقتل عمر ولم يجمع القرآن ، قال ابن أشته : قال بعضهم يعني : لم يقرأ جميع القرآن حفظاً ، وقال [ بعضهم ] هو جمع المصاحف .
أقول : أي : الذي وقع بعد موتهما عصر عثمان من جمع المصاحف وإعدامها ، هذا مبني على أنْ يقرأ « يُجمَع » بصيغة المجهول ، ويراد من لفظ « القرآن » وهو مفرد معنى الجمع ، يعني : المصاحف ، وهذا الإطلاق غيرُ معهود ، فالظاهر الأول ، وكون « يجمع » بصيغة المعلوم ويظهر عدم حفظهما للقرآن من أخبار أخر أيضاً ، كما مرّ .
وإنّما اشتهر هذا الموجود بين [ 23 ] الدفتين بمصحف عثمان ؛ لأنه مما وقع عليه اختيار عثمان وزيد بن ثابت ومن معه من الأصحاب الجامعين له ، كما مرّ عن البخاري والمحاسبي والباقلاني وغيرهم .
وفي عدّة أخبار أخرى : إنهمأخذوا ما جمعه زيد بن ثابت من الصحف أوّلًا ، وكان عند أبي بكر ثم عمر ثم حفصة ، والصحف الأخرى المتفرّقة عند سائر المسلمين ، وأثبتوا منها في هذا المصحف ما وقع عليه اختيارهم بأنّه القراءة الثابتة عندهم عن النبي ( ص ) مرتباً على هذا الترتيب المستحسن عند جميعهم ، ثم حمل عثمانُ المسلمين على القراءة في هذا المصحف الواحد وإلغاء غيره من المصاحف المختلفة التي جمع ما قدر عليها وأحرقهاً كما في البخاري « 2 » وغيره ، وفي بعض الأخبار أنهّا بلغت أربعين الفاً .
قد ظهر أنّ هذا الجمع كان بمرأى القراء وسائر الصحابة الموجودين ومراقبتهم ، وقد اتفقت كلمة الجميع البالغ عدّتهم حدّالتواتر على أنّ كلَّ واحدة من هذه الآيات الشريفة
هامش
( 1 ) الإتقان : 1 / 194 ، 195 .
( 2 ) البخاري : 6 / 99 ، ط استانبول ، باب جمع القرآن .