فإنْ قيلَ : إذا كان معتقدهم خطأ أو باطلا فالحكمة تقتضي أنْ يُردّوا عنه ، ويُردعوا منه لا أنْ يبقوا عليه ، ويقروا في خطأهم على معتقدهم حتى توهّم لهم أنّ معتقدهم حقٌ وصواب ، فيكون ذلك إغراء لهم على اتباع الباطل ، وحثّهم على ملازمة الهوى .
قلنا : لما كان الغرض من الخطاب هو الإفهام ، ولو خاطبهم على غير ما هم عليه ، وخلاف معتقدهم ، ومفهومهم ، وقال : ( أفمن يخلق كما لا يخلق ) لم يفهموا ، وظنوا أنّ المراد غير الأصنام من الجماد ، فعدل عن ذلك فقال كمن لا يخلق حتى يفهموا ، ويعلموا أنّ المراد هو الأصنام .
وعن الثاني : أنهم لمّا سوّوا بين الأصنام وخالقها سبحانه في تسميتها باسمهِ ، وعبادتها كعبادته ، وجعلها مثله في كل صفة ، فصحَّ الإنكار بتقديم كان أيهاماً ، وإنّما قدّم في الإنكار ذكر الخالق إمّا لأنه أشرف أو لأن المقصود الأصلي من هذا الكلام تعظيمه تعالى ، وإجلاله ، وتنزيهه عن التسوية بينه ، وبينها ، فالمناسب أن يذكر أولًا ، أو لأنّ الأول إثبات ، والثاني نفي ، والوجود أشرف من العدم .
وعن الثالث : أنّ العدّ غير الإحصاء ، فقد فسَّرَ بعضهم الإحصاء بالحصر .
وقال الزمخشري « 1 » في تفسير
لا تُحْصُوها
« 2 » أي لا تحصروها ، ولا تطيقوا عدّها ، وبلوغ آخرها ، فالإحصاء أنْ يحصر المعدود والعدّ لا يستلزم الحصر ، والبلوغ إلى الآخر .
لو سلمنا به فنقول إنّ فيه إضماراً تقديره إن تريدوا عدّ نعمة الله لا تعدّوها .
ونظيره
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
« 3 »
هامش
( 1 ) الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل : ج 2 ، ص 379 .
( 2 ) إبراهيم : 34 .
( 3 ) سورة المائدة : 6 .