الأول : أنّ ( مَنْ ) مختصة بذوي العلم والعقل ، فكيف قال هناك
كَمَنْ لا يَخْلُقُ
، مع أنّ المراد بها الأصنام ، وهي جمادات غير عالمة ، ولا عاقلة ، فكان أحق الكلام أنْ يقول
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
.
الثاني : أنّ هذا إلزام لعبدة الأصنام الذين سمَّوا أصنامهم آلهة تشبيهاً بالله تعالى ، وجعلوا غير الخالق مثل الخالق فكان ظاهره مقتضيا لأنْ يقال في إلزامهم : .
الثالث : أنّ العدَّ والإحصاء بمعنى واحد كما ذكره الجوهري ، فيكون المعنى ، وأنْ تعدّوا نعمة الله لا تعدّوها ، ونظيره أنْ يقال : إن تَرَ زيداً لا تبصرْه إذ الرؤية والإبصار بمعنى واحد .
الرابع : أنّه تعالى أجرى على الأصنام ، وهي غير عاقلة ما يجري على العقلاء ، فقال يخلقون بالواو والنون مع أنّ الجمع بهما من خواصّ من يعقل .
الخامسة : ما فائدة قوله سبحانه في وصف الأصنام
غَيْرُ أَحْياءٍ
بعد قوله ( عزَّ وجلَّ )
أَمْواتٌ
والجواب عن الأول : أنه يجوز استعمال ( من ) هنا فيما لا يعقل نظرا إلى مقارنته بمن يعقل ، فغلب عليه حكمه ، وأجري فيه أمره ، وهو من قبيل المشاكلة ، وهو باب واسع في كلام العرب ، ومنه قوله تعالى
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ
« 1 » .
ومنه قول الشاعر :
قالوا اقترحْ شيئاً نجدْ لكَ طبخةً * قلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصا
ومنه قول العرب : اشتبه عليَّ الراكب وحمله فما أدرى من ذا ، ومن ذا ، ويمكن أنْ يجاب عنه بأنه تعالى خاطبهم على معتقدهم لأنهم سمّوها آلهة ، وعبدوها ، وأجروها مجرى أولي العلم ، فلذلك جيءَ لها بِمَنْ .
هامش
( 1 ) النور : 45 .