فلذا لم يجوَّزوه عليل فإنّ كراهة الانتقال من التسفّل إلى التصعّد إذا كان مسوغاً لإِبدال ، فمجرّد الرسم لا يمنع منه قطعاً فإِنهُ لم يرسم إلا ما هو الأصل ، وأَمّا أنَّ هذا الأصل يجوز إِبداله بتلك العلّة أولا يجوز فلا دلالة لمجرَّد الرسم عليه بَلْ في رسمه « بصطة » الأعراف بالصاد دلالة على جواز الإِبدال ، بل على حسنه كما أَنَّ رسمه بالصاد في « صراط » ليس لخصوصية في المادة بالضرورة حسب آعتراف الكلّ ، بل إِنمّا هو تعقيب الطاء للسين ، وهو جارٍ في تعقّبهِ له من غير فصل بالأولوية .
بل يبقى السؤال في أنهم كيف لم يكرهوا الانتقال في مثل نسلخ منه النهار ومس سقر وسخّرنا وسخروا وسخط وسقفا وسقوا وسقيت وسقى وسقيم وسلطان المتكرر اثنين وعشرين مرة في القران وساقطاً وساقيها وسائغ وسائغا وسرق وسوق إلى غير ذلك مما لا يحصى من الألفاظ المتكررة في القرآن مما تعقب فيها الطاء أو القاف أو الخاء للسين ؟
فلم يبقَ إلا أَنهم كرهوا مخالفة رسم خطّ المصحف العثماني حيث كتب « صراط » بالصاد مع اليقين بأَنهُ كتب على خلاف ما هو الأصل الموضوع في اللغة ، وقد تقدمت الرواية التي رواها العياشي عن محمد بن علي بن الحلبي عن أبي عبد الله ( ع ) أنه كان يقرأ : « اهدنا السراط المستقيم » « 1 » .
ويظهر من الدرّ المنثور : ثبوت هذه القراءة برواية أَعاظم أَهل السنّة عن آبن عباس قال « 2 » : أَخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه ، وآبن الأنباري عن آبن عباس أَنه قرأ : « آهدنا السراط » بالسين .
ثم أَنّ قراءة آبن كثير وهو أَحد القُرّاء السبعة الذين أَجمعوا على جواز آتباع قراءتهم كافية في جواز آختيار هذه القراءة فضلًا عن انضمام قراءة الكسائي إليها وإِن كانت بالإِشمام ، بل يكفي في المقام قراءة مثل يعقوب الذي نقلوا عنه القراءة بالسين الخالصة فإنهُ من أعاظم
هامش
( 1 ) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 22 و 24 .
( 2 ) الدر المنثور : ج 1 ، ص 14 .