وَآكلُ مِنْ صَوْمِي
وَأسْجُدُ عَلَى قِمَم الْجِبالِ
أَطُوفُ حَوْلَ فَلَكِ الأفْلاكِ
غَرَسْتُ فَيها مِنْ كُلِّ الأشْجارِ
إلّا شَجَرَ الْعَقْلِ
في هذه القصيدة يطوف الدكتور محمد خاقاني الأصفهاني الكون ؛ يخرج من الأرض ، ويمضي في السماء ، ويصل إلى كوكب الزهرة ، ويحلّق إلى عطارد وزحل . وأخطر من كل هدا يصل إلى حظيرة اللاهوت ، وهو بعد ذلك يمتلك العالم كله ، فملحفته قطع من قارات العالم ، وسريره هو السماء الأزرق ، وهو يمضي مع كل ظواهر الكون ؛ الريح ، والمطر ، والنور . والظلمة تتداخلت فيه الألوان ؛ فالبياض ينشد أنشودة الخضرة في قلب الحمرة . وعالم الشاعر هو عالم الجميع : غرفتي غرفتك عالَمي عالم الجميع . . . شكراً لله على إبداع هدا العالم البديع شكراً لله فقد جعله عالماً للجميع .
هكذا ينتهي قصيدته التي حيرتني وأربكتني حقّاً ، فالشاعر يذكرني في سياحته هذه بطواسين الحلّاج ، وحتي بجاويد نامه لمحمد إقبال والكوميديا الإلهية لدانتي ؛ فقد طاف سريعاً بين الكواكب ، لكن الخطورة هنا أنّه يحاول الوصول إلى الحضرة الإلهية ، وإذا ما ارتبكنا من فكرته ، ذكرنا هو بأنّ له عالمه الذي يخصّه وهو مختلف عن عالمنا ، وقد خاض مثل معظم شعراء الفارسية في مسألة وحدة الوجود أو الفناء في ذات المحبوب فذكرني بقول سعدي شيرازي :
قَالَ لي الْمَحْبُوبُ لَمّا زُرْتُه * مَنْ بَبابَي ؟ قُلْتُ بِالْبابِ أنَا
قالَ لي أَخْطَأتَ تَعْرِيفَ الْهَوَى * حِينَما فَرَّقْتَ فِيهِ بَيْنَنَا
وَمَضَى عَامٌ فَلّما جِئْتُهُ * أَطرقُ الْبابَ عَلَيْهِ مُوهِنا
قالَ لي مَنْ أنْتَ ؟ قُلْتُ انْظُر فَما * ثُمَّ إلّا أنْتَ بِالْبابِ هُنا
قالَ لِي أَحْسَنْتَ تَعْرِيفَ الْهَوَى * وَعَرَفْتَ الْحُبَّ فَادْخُل يَا أنَا
هذه المعاني عبّر عنها الخاقاني بما هو أشمل منها حين قال :
لي عَالمٌ يَخُصُّني