شعره كماء البحر ، رقراق حين يصل بك إلي الشاطيء ، لجي عميق حين يغور بك في الأعماق ؛ فلسفي في نظرته للحياة والوجود . . . عاطفي تدهشك بساطته حين يتغزل ، مبدعاً في غزله تتنسم منه عشقه للمرأة وتقديره لها ، تربطه بها عاطفة قوية ، يصفها بدقائقها الصغيرة التي لا تخطر على قلب بشر ، مدركاً مواطن الجمال فيها وبواطنه ، تغريه بحركاتها وسكناتها ، كيف لا وهو يجمع الرقة والدماثة والشفافية . . . . غزلياته تنم عن روح عذبة ، مرحة ، محبة للحياة ، متفكهاً متندراً ، لا يكتم إعجابه وعواطفه فيرسلها على سجيته في حينها فياضة مدرارة ، فتحس بنكهتها وحيويتها ، وينقلك بخياله الخصب إلى تلك اللحظة ، ويشاطرك شعوره ، وعالمه ، بصدق عبارته ، وعمق تأثيرها العاطفي في نفسك . . . تلك الشاعرية لا تنطلق إلا من روح شاعرة :
أنَا مُسْتاءٌ مِنْ وُعّاظ بِلادي
إذْ لامُوني في حُبِّي
هُمْ مَنَعُونِي مِنْ رُؤيَةِ حَورائِي
مَنَعُونِي أنْ أُصْغِي لأغانِي الْحُبِّ وَأَنْغامِ أَحِبّائي
أما فِي قصيدته ذكريات بيروت التي أفقدته غيدها صوابه فيصف بأسلوب شائق ذلك الجمال الساحر مسقطا عليه نفسه الشاعرة ، وإحساسه المرهف بالجمال :
تَارَةً صارَ بِصُورَ كَالّذي * زَالَ مِنْهُ الْعَقْلُ مِنْ فَرْطِ الْجَوَى
وَبِصَيدا صادَ جَمّاً وَافِراً * مِن جَمِيلاتٍ كَغِزْلانِ الرُّبَى
تارَةً أُخْرَى بِبَيروتَ الّتي * جَنّنَتْهُ حُورُها حَتَّى غَوَى
في طَرابْلُسَ وَفي بِنْتَ جُبَيل * قَدْ رَأى أَجْمَلَ مِمّا قَدْ رَوَى
إمْرؤُ الْقَيْسِ لِوادي حَومَلِ * فَدُخُولُ ثمَّ مِنْ سِقْطِ اللّوَى
ولا نريد في هذه العجالة الاسترسال في الحديث عن هذا الجانب ، ونترك للقاريء اكتشاف ما توحي به قصائده من أسرار باحت بها نفسه في لحظات الوهن الذي اعتراه أمام أسرار الجمال . أما إذا انتقلت إلى شعره الفلسفي العميق ، فتحس بروحانية مطلقة ، وبشفافية إيمانية عميقة وكأنّك أمام شاعر آخر ، وهذه السمة في رأيي من أهم سمات الشاعرية ، حيث