تَحِنُّ إلَى نَجْدٍ وَقَدْ يَمَّمْتْ نَجْدَا * ذُمُولٌأبَتْ إلّا السَّرَابَ لَهَا وِرْدَا « 1 »
إذَا اسْتَبَقَتْ لِلسَّيْرِ تَحْسَبُ صَارِمَاً * يَسْلبُ عَلَى مَتْنِ الرُّبَى وَالدُّجَى غِمْدَا
إذَا هَبَّتِ النَّكْبَاءِ كَانَتْ لَهَا رَدّاً * وَإنْ أَرَخَتِ الظَّلْمَاءُ كَانَتْ لَها بَرْدَا
تَخَالُ هِلالًا مَا تَرَى مِنْ نُحُولِهَا * وَنَجْمُ الثُّرَيّا فِي مُقَلِّدِهَا عِقْدَا
تُؤلّفُ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ إنْ سَرَتْ * ذَمِيلْاً فَلا غَوْرَاً تُعَانِي وَلا نَجْدَا « 2 »
( المصدر نفسه 129 )
ثم يخاطب خليليه عند وصولهم إلى تلك الطلل الخاوية والآثار البالية التي عاشها الشاعر مدة من الزمن عيشة رغداً مع أحبائه . هذا وناقته أيضاً تعرف هذه المنازل الخاوية على عروشها لكثرة ما ارتادتها مع راكبها فتنيخ بكلكلها على هذه الطلال . وهذه المنازل ترعى فيها الآرام والأبقار الوحشية ( وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم ) ، مصوّراً كل التفاصيل قائلًا :
خَلِيْليّ عُوجَا بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا * عَلَى طَللٍ عِشْنَا بِهِ زَمَناً رَغَدَا
أنَاخَ بِمَغْنَاهُ بِكَلْكَلهِ البَلا * وَألبَسَهُ الإعْصَارَ ضَافِيةً حَصَدَا « 3 »
وَعَهْدِي بِهِ لِلِغَيْرِ مَلْهَى وَلِلدّمَى * مَرَاحٌ وَلَمْ يَلْوِ الزَّمَانُ لَهُ وَعْدَا
فَمَا بَالُهُ وَالْوَحْشُ فِي عَرَصَاتِهِ * عُكُوفٌ وَقَدْ أَبْدَى لَهُ الدَّهْرُ مَا أَبْدَى
( المصدر نفسه : 130 )
ثمّ ينثني الشاعر إلى ممدوحه وأنّ كلّ الناس يحتاجون إلى كرمه . ولا تنحصر هذه العطايا بمن يسكنون في الأرض وإنما تتعداهم لتشمل كلّ الكون بحيث إنّ الثريا في علّوها تستجدي رفده ونواله ، هذا وإنّ عطاياه كثيرة جداً بشكل إنّ السحب الممطرة تخجل من جوده وسخائه ، وإضافة إلى ما ذكر فهو فصيح بليغ ويُعَدُّ من مشيدي بيت المجد بعد تهدم أركانه :
كَأنَّ الثُّرَيّا كَفُّ عَافٍ يَمُدُّهَا * إلَى كَرَمِ ( الْعَبَّاسِ ) مُسْتَجْدِيَاً رَفَدَا
هامش
( 1 ) - يممت : قصدت . ذمول : الناقة التي تسير سيراً ليناً ( المصدر نفسه ) .
( 2 ) - الذميل : من ذَمَلَ البعيرُ ذُمولَا وذَميلًا وذَمَلاناً : سار سيراً ليّناً ( المعجم الوسيط مادة ذَمَلَ ) . الغور : ما انحدر من الأرض . النجد : ما ارتفع منها ( الغريفي 129 ) .
( 3 ) - المغنى : المنزل . الكلكل : الصدر . ضافية : واسعة طويلة ( المصدر نفسه ) .