في أوّل الأمر بالكلام المشفق ، ولمّا رأى أنّ النصيحة لا تجديهم لهم نفعاً ولا يهتدون إلى الدّرب الرشاد ، أخذ المشرفيّ ليدافع عن حريم رسول الله ( ص ) ودينه ، ويعلم تماماً بأنّ اليوم هو يوم وصاله للحبيب فلا يستطيع أن يوَخّره لغدٍ . ويبشّر نفسه بأنّ الله تبارك وتعالى شاء أن يراه قتيلًا وهو بقيامه هذا لا يطلب جاهاً ، ولا مقاماً ، ولاجنةً ، ولا حُورا ، وإنّما يطلب به وجه الله تبارك وتعالى ورضاه :
بُشْرَاي أنَّ الْحَبِيبَ شَاءَ يَرَى * فِي الْطَّفِ مَيْدَانِ خَيْلِكُمْ جَسَدي
وَالْرَّاسُ مِنِّي عَلَي الْقَنَاةِ غَدَاً * يُسَارُ مِنْ بَلْدةٍ إلَى بَلَدِ
وَلَسْتُ أَبْغِي سِوَى رِضَاهُ وَلا * يَدُورُ خُلْدُ الْجَنَانِ فِي خَلَدِي
( المصدرنفسه )
وهناك قصيدة أخرى أنشدها الشاعر في رثاء الإمام الشهيد ولا نجد في ديوانه قصائد للرثاء سوي هاتين القصيدتين فكأنّه قصر رثائه على الحسين عليه السلام . وعدد أبياتها قليل لا يتجاوز سبعة أبيات يقول فيها :
أَبَتْ لِي هُمُومِي أنْ أَذُوقَ مَنَامَا * فَلا تَعْذِلَينِي أنْ سَبَرْتُ إمَامَا
إلَي مَ أَسِيمُ الْبَرْقَ لِلْدَّهْرِ قَلْبَاً * وَأَرْقُبُ سُحْبَاً لِلزّمَانِ جَهَامَا
وَأنْ أَنْتَضِي مِنْ غِمْدِ سَيْفِي شُعْلَةً * فَأمْلأَ آفَاقَ الْبِلاد ضِرَامَا
فَأتْرُكَ أَزْوَاجَ الْمُلُوْكَ أَرَامِلًا * وَأَتْرُكَ أَوْلادَ الْمُلَوْكَ يَتَامَى
فَإنْ مَنَعُونَا أَنْ نَعِيش أَعَزَةً * فَمَا مَنَعُونَا أَنْ نَمُوتَ كِرَامَا
فَلِي مِنْ إبَاءِ الْضَّيْمِ يَا سَعْدُ مَذْهَبٌ * تَحَدّتْ أبَا السَّجَادِ فِيهِ إِمَامَا
( المصدرنفسه 121 )
يعّبر الشاعر في قصيدته هذه عن همومه المكتومة وآلامه الدفينة وهي التي منعته النوم ومنحته الأرقّ والسهر . لكنّه لا عيب في كلّ هذ ، لأنّه عرف بواسطتها إمامه المبين وقد نوّرَ الإمام عليه السلام قلبه بعد أن كانت محَجوباً بالسّحب الداكنة الجهلاء . وحان الأوان كي ينتضي سيفه من الغمد ويقتل الملو ك الجبابرة الذين منعوا الشاعر من الحياة العزيزة المقتدرة ، وإن كانوا غير قادرين على منعه اختيار الموت كريماً عزيزاً . وهذا الإباء وعلوّ النفس