من جديد أن يفتح طريقه إلى قلب المحبوب فَيذَكّرُ خصاله الحميدة وأفعاله الكريمة وأنّه من أمَّ داره لا يرجع قانطاً لما فيه مِن كرم الجود وإصالة العود . ويتعجب كيف خابت عيناه الجاريتان وهما عالمتان بمناقبه المحمودة :
مَا تَنْهَرُوْنَ الْدَّهْرَ سَائِلَكُمْ * فَعَلامَ سَائِلُ أَدْمُعِي نُهِرَا
( المصدر نفسه )
هذا شاعرنا وقد جفاه من هو أعزّ إليه مِن نفسه ويصَدِّقُ قولَ الوشاة فيه ، في حين أنّ المعشوق لطيف مع كل الناس إلّا مع شاعرنا الملهوف ، فماذا يفعل هذا البائس ؟ أيلجأ إلى سبيل آخر يذَكره ملاطفته مع الآخرين والوفاء بعهده تجاههم ؟ وهل يجدي ذلك نفعا ؟ طبعاً لا ، لأنَّ الكلّ يعرف ذلك كما يعرف أنّ طينته جُبلت على هذه الخصال . ولا غرو في ذلك وإنّما العجيب هو أنّ حقّ شاعرنا قد سلُب وعهده لم يرعَ ، والذي وفي بعهده من بين العشاق وراعي حقوق المحبوب ، هذا هو الشاعر المسكين فيتأوّه قائلٌا :
حِفْظُ الْذّ مَامِ عَهِدْتُ شِيمَتُكُمْ * فَذِ مَامُ وُدِّي مَا لَهُ خُفِرَا
( المصدرنفسه )
ثمّ يصف الشاعر في البيت التالي الميزات الظاهرية للمحبوب وأنّه عندما يمشي ترى قامته تنثني كأغصان البان وأفضل من ذلك تفضح هذه الأغصان بدلالها وعندما يخرج سافرا ترى القمر يختفي تحت السحب الداكنة لما يرى من جمال المحبوب وحسنه :
إنْ هَزَّ قَامَتَهُ وَإنْ سَفِرَا * فَضَحَ الْغُصُوْنَ وَأخْجَلَ الْقَمَرَا
( المصدر نفسه 65 )
هذه هي خصال الحبيب وميزاته الجمالية فلا عجب أن يسكب الشاعر دموعه التي تترقرق كالعيون الجارية تحت أشعة الشمس الذهبية وتتلألأ كالمرجان على خدّيه النحيفين . وتشبه هذه الدموع في تلألؤها أسنان الحبيب عند إبتسامته ، لكنّ هناك فرقاً بارزاً بينهما وهو أنّ هذه الدموع متبعثرة ، ومضطربة ، ومنتثرة كحال الشاعر تماماً في حين أنّ الأسنان المرجانية للحبيب منتظمة ، ومتساوية ، ومتمالكة كحال الحبيب نفسه :