تَارةً أَلْقُوهُ فِي طَسْتِ الذَّهَبِ * آهِ يَا للهِ مَا هَذِي النُّوَبُ ؟
عَجَباً دُرْدِيَّةُ الْخَمْرِ تُصَبُّ * عِنْدَ رَأسٍ غُسْلُهُ مِنْ سَلْسَبِيل
( المصدر نفسه 256 )
وقال الشاعر قصيدة أخري يرثى فيها أباه مبتدأً أبياتها بالوعظ وأنّ الدنيا دار ليس لها قرار ، وفيها للموت مراتع ومآكل ، وأنّه لا فرار من هذا الموت الذي كاللّيث الفاتك ينشب أظفاره في جسم الإنسان . ثم يخاطب أباه بأنّه لم يكن يتصور أنّ تضّمه الأحجار بعد طوله في العلى ، وموته رزء كبير ليست بعده مصيبة ، وبموته غاب شمس الهدى ، وكُسِفَت الأقمار لأجله ، وهو لم يكن شخصاً واحداً مضى في سبيله وإنّما بموته هلك العلماء والأخيار . وهو كالطود العظيم سقط من القمة إلى الحضيض ، وبسقوطه تضعضت المدن . ثم يقول الشاعر : إنّني بعد وفات أبي كدت أن أنكر هذه المصيبة وما كنت أستطيع أن أقبل هذا الرزء الكبير فيا لها من مصيبة فادحة نزلت بأهل الأرض :
الدَّهْرُ دَارٌ لَيْسَ فِيْهَا قَرَارٌ * وَالمَوْتُ خَصْمٌ لَيْسَ مِنْهُ فِرَارُ
دَارٌ بِهَا لِلْمَوْتِ رَبْعٌ آنِسٌ * وَمَرَاتِعُ وَمَآكِلُ وَثِمَارُ
إذْ بِالْمَنيّةِ وَهِي لَيْثٌ فَاتِكٌ * نَشَبَت لَهُ فِي جِسْمِكَ الأَظْفَارُ
مَا كُنْتَ تُوقِنُ بَعْدَ طُوْلِكَ فِي العُلَى * أنَّ الثّرَى ضَمَّتْكَ وَالأحْجَارُ
لا رُزْءَ يُبْكِي بَعْدَهُ لِوُقُوُعِهَا * كَلّا فَلَيْسَ لِعَيْنِ اسْتِعْبَارُ
أَوْدَى فَغَابَ لِفَقْدهِ شَمْسُ الْهُدَى * وَتَكاسَفَتْ مِنْ دُوُنِهِ الأقْمَارُ
مَا كَانَ شَخْصَاً وَاحِداً لَمّا مَضَى * بَلْ أوْدَتْ الْعُلَمَاءُ وَالأَخْيَار
طَوْدٌ هَوَى مِنْ أوْجِهِ لِحَضِيضِهِ * فَتَضَعْضَعَتْ بَهُويِّهِ الأَمْصَارُ
وَلَقَدْ مَضَى وَهَوَتْ نُجُومُ العِلْمِ بَلْ * وَمِنَ الشَّرِيْعَةِ ذلَّتِ الأَنْصَارُ
وَاللهُ مَا أَيْقَنَتُ بَعْدَ وَفَاتِهِ * بِمُصَابِهِ بَلْ كَانَ لِي إنْكارُ
عَجَباً وَبَهَراً يَا لَهُ مِنْ حَادِثٍ * جَلَلٍ بِهِ لِلْعالَمِينَ غَمَارُ
( المصدر نفسه 149 - 150 )